الخطورة الاجرامية في المجتمع

 

بقلم الطالب (عبدالله حسين علي)

يتضح من نصوص قانون العقوبات العراقي أن فكرة الخطورة الإجرامية لم تكن فكرة نظرية مجردة، بل أصبحت معياراً عملياً مؤثراً في مختلف مراحل النظام العقابي، ابتداءً من فرض التدابير الاحترازية، ومروراً بالتفريد القضائي للعقوبة، وانتهاءً بالتفريد التنفيذي داخل المؤسسات الإصلاحية. فقد قرر المشرع العراقي في المادة (103) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 أنه لا يجوز فرض أي تدبير احترازي على شخص ما لم يثبت ارتكابه فعلاً يعده القانون جريمة، وأن تكون حالته دالة على خطورة تهدد سلامة المجتمع. وربط النص تقدير هذه الخطورة بأحوال الجاني وماضيه وسلوكه وظروف الجريمة وبواعثها، بما يكشف عن احتمال جدي لعودته إلى الإجرام.

هذا التوجه يُظهر بوضوح أن المشرع العراقي تبنى الاتجاه الشخصي في تعريف الخطورة الإجرامية، إذ جعل تقديرها منوطاً بقاضي الموضوع الذي يستعين بالخبرة العلمية لفحص شخصية الجاني. ومن خلال هذا الفهم يمكن تعريف الخطورة الإجرامية بأنها حالة نفسية واجتماعية وسلوكية لدى الجاني تبعث على الاعتقاد بإمكانية ارتكابه جريمة جديدة مستقبلاً.

ولا يتوقف حضور الخطورة الإجرامية عند التدابير الاحترازية، بل يمتد ليشكل أساساً لنظام التفريد العقابي، الذي يهدف إلى مواءمة العقوبة مع شخصية المجرم وظروف الجريمة. فالتفريد العقابي يقوم على جانبين: شخصية الجاني من حيث تكوينه البيولوجي والنفسي والاجتماعي، وماديات الجريمة من حيث طريقة ارتكابها وآثارها. وبذلك تصبح دراسة شخصية المجرم وسيلة أساسية لتحديد درجة خطورته، ومن ثم اختيار العقوبة الأنسب له.

ويتجلى التفريد العقابي في ثلاثة مستويات: تشريعي، وقضائي، وتنفيذي. ففي التفريد التشريعي وضع المشرع وسائل مثل الأعذار القانونية المخففة أو المعفية من العقوبة، والظروف المشددة. فالأعذار المخففة تعكس ضعف أو انعدام الخطورة الإجرامية، كما في حالة ارتكاب الجريمة لبواعث شريفة أو نتيجة استفزاز خطير. في المقابل، تجسد الظروف المشددة مواجهة المشرع للخطورة الكامنة في شخصية الجاني.

أما التفريد القضائي فيمنح القاضي سلطات واسعة لتقدير العقوبة وفقاً لخطورة الجاني، من خلال وسائل متعددة مثل: التدرج الكمي بين حدين أدنى وأعلى، والتمييز النوعي بين عقوبتين أو أكثر، وإمكانية تخفيف العقوبة إلى ما دون الحد الأدنى أو تشديدها إلى أكثر من الحد الأقصى، فضلاً عن نظام إيقاف تنفيذ العقوبة. ففي نظام التدرج الكمي يختار القاضي مقدار العقوبة بين حدين وفقاً لخطورة الجاني، وفي التمييز النوعي يختار نوع العقوبة الأشد أو الأخف. كما أن الظروف القضائية المخففة والمشددة (المواد 132، 133، 135) تمنح القاضي مرونة واسعة ترتبط مباشرة بدرجة الخطورة الإجرامية.

ويبرز أثر الخطورة الإجرامية بوضوح في نظام إيقاف تنفيذ العقوبة المنصوص عليه في المادة (144)، حيث يشترط للحكم بوقف التنفيذ أن ترى المحكمة من أخلاق المحكوم عليه وماضيه وسنه وظروف جريمته ما يدل على أنه لن يعود إلى الإجرام، أي أن خطورته الإجرامية ضعيفة أو منعدمة.

ويمتد دور الخطورة الإجرامية إلى مرحلة التفريد التنفيذي داخل المؤسسات الإصلاحية، حيث تمنح إدارة السجون سلطة تحديد المعاملة العقابية الملائمة لكل نزيل. ويظهر ذلك في نظام الإفراج الشرطي المنصوص عليه في قانون أصول المحاكمات الجزائية (المواد 331–337)، الذي يجيز الإفراج عن المحكوم عليه إذا ثبت حسن سلوكه واستقامته، مع استبعاد فئات معينة يُفترض فيها توافر خطورة إجرامية مرتفعة. كما يظهر في نظام تصنيف النزلاء داخل مراكز الاستقبال والتشخيص وفقاً للفحوصات الطبية والنفسية والاجتماعية، وهو تصنيف قائم في جوهره على تقدير درجة الخطورة الإجرامية لكل نزيل.

وخلاصة القول، أن المشرع العراقي جعل من الخطورة الإجرامية محوراً أساسياً للنظام العقابي، إذ لم يكتفِ بالنظر إلى الجريمة ذاتها، بل وسّع نطاق الاهتمام ليشمل شخصية الجاني واحتمالات سلوكه المستقبلي. وبهذا أصبح الهدف من العقوبة لا يقتصر على الردع، بل يمتد إلى الإصلاح والوقاية وحماية المجتمع، من خلال تقدير دقيق لخطورة المجرم وتفريد المعاملة العقابية بما يتناسب مع حالته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار