بقلم: سعد الشديدي
مع اقتراب الأول من تشرين الأول، الذي تقدّمه الحكومة بوصفه بداية مرحلة جديدة بعد إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، يعود السؤال الذي لا تجيب عنه الاحتفالات: هل يستعيد العراق سيادته بمجرد مغادرة قوات أجنبية، أم باستعادة قراره من كل قوة تستطيع أن تتصرف فوق الدولة أو خارجها؟ فالبيان الرسمي يربط هذه المرحلة بحصر السلاح وتأكيد سلطة المؤسسات. وهذا تحديداً هو الامتحان الذي ينبغي أن تخضع له شعارات السيادة.
يمكن للعراقي أن يؤيد انتهاء الوجود العسكري الأجنبي، وأن يرفض في الوقت نفسه تحويل المناسبة إلى احتفال بمحو الذاكرة. فالولايات المتحدة قادت الحرب التي أسقطت نظام صدام عام 2003؛ ولم تسقطه إيران، ولم يدخل قاسم سليماني بغداد ليحرّر العراقيين من حكمه. هذه حقيقة تاريخية لا يستطيع الخطاب المعادي لأمريكا أن يلغيها. الحقيقة الكافية أن النظام الذي عجزت المعارضة عن إسقاطه انتهى بالغزو الذي قادته واشنطن.
والاعتراف بذلك لا يفرض تبرئة الولايات المتحدة من سياساتها. فقد شجّع جورج بوش الأب العراقيين على التحرك ضد صدام عام 1991، ثم تراجعت واشنطن عن دعم الانتفاضة، واستطاعت قوات النظام سحقها. يمكن تحميلها مسؤولية ذلك التخلي، ثم الاعتراف بدورها الحاسم في إسقاط النظام بعد اثني عشر عاماً. الذاكرة التي تتسع للحقيقتين أقوى من الدعاية التي تنتقي واحدة وتمحو الأخرى.
لكن الأمر الأكثر إحراجاً يتوجّه إلى القوى التي تجعل الولاء لإيران امتحاناً للإخلاص للمذهب: أين تنتهي الأخوّة الدينية وتبدأ التبعية السياسية؟ وما الذي يجيز تحويل معاناة شيعة العراق إلى سند يمنح دولة أخرى حق التدخل في مصيرهم؟
لقد عاش العراقيون بين 1991 و2003 سنوات الجوع والمرض والخوف. وحتى برنامج النفط مقابل الغذاء كان يموّل احتياجاتهم الإنسانية من عائدات نفطهم؛ أي إن العراقيين كانوا يشترون أسباب بقائهم بأموالهم، تحت قيود الحصار الدولي. واليوم يطالب أنصار النظام الإيراني العراق بتجاوز العقوبات المفروضة على إيران، ويقدّمون ذلك بوصفه واجباً أخلاقياً ومذهبياً. فأين كان هذا الواجب عندما كان العراقيون يعانون الحصار؟ وما الذي فعلته طهران لتخفيف معاناة المحاصرين داخل العراق، بعيداً عن دعم حلفائها السياسيين؟ ومن يطالب العراقيين بتحمّل تبعات كسر العقوبات عن إيران، عليه أن يوضح لماذا يصبح التضامن واجباً حين تحتاج إليه طهران، بينما لا تُستعاد محنة العراقيين إلا بما يخدم خطابها. إن معاناة الشعوب تستحق التضامن، لكن تحويل هذا التضامن إلى التزام عراقي بخدمة النظام الإيراني هو ابتزاز سياسي باسم الأخوّة والمذهب.
أما كربلاء عام 1991، فتبقى شاهداً لا تمحوه مواكب الزيارات اللاحقة. وثّقت هيومن رايتس ووتش تعرّض مرقدي الحسين والعباس لأضرار جسيمة بالقصف المدفعي وصواريخ المروحيات بين السابع والحادي عشر من آذار، ثم إطلاق النار داخل العتبات على المنتفضين والمدنيين. وكانت نيران القوات الموالية للنظام السبب الرئيسي في تدمير هذه المعالم.
أين كانت الحماية التي يُستدعى اسمها اليوم كلما أُريد تبرير نفوذ سياسي أو سلاح خارج الدولة؟ ولماذا لم تتحول قدسية الحرم الحسيني إلى قدرة تحميه وتحمي الناس الذين احتموا به؟ ولماذا لم تتدخل طهران لحماية قدس أقداس الشيعة؟
قد تكون لطهران حساباتها العسكرية والأمنية آنذاك. لكن إذا كانت المصالح وحدود القدرة تفسّر قراراتها، فبأي حق يُطلب من العراقيين اليوم أن يتعاملوا معها بوصفها حارساً مقدّساً لا يجوز نقده؟ الدولة التي تحسب مصالحها لا يحق لحلفائها أن يطالبوا العراقيين بتعطيل مصالح بلدهم باسم المذهب.
ولشيعة العراق تاريخ ديني لا يحتاج إلى شهادة سياسية من طهران. الكوفة ارتبطت بخلافة الإمام علي، والنجف بمرقده ومدرستها العلمية، وكربلاء باستشهاد الحسين. هذه المكانة تفرض صون استقلالهم وكرامتهم؛ ولا تبرّر تحويلهم إلى جمهور احتياط لمشروع دولة أخرى. ومحبة أهل البيت لا تُقاس بمقدار الطاعة لحكومة أجنبية.
لهذا يصبح «يوم السيادة» يوم نكران جميل إذا استُخدم لطمس حقيقة إسقاط صدام، ويصبح احتفالاً أجوف إذا حُصر الاعتراض على التدخل الأجنبي في الطرف الأمريكي وحده. لا سيادة انتقائية تسمح بتبعية وتدين أخرى، ولا استقلال تمنحه الشعارات لدولة لا تحتكر قرارها وسلاحها.
يوم السيادة أم يوم نكران الجميل؟