جريدة |..
أكد الخبير في شؤون الطاقة يحيى العقابي أن تعدد منافذ تصدير النفط يمثل جزءاً من إدارة المخاطر وحماية القدرات التصديرية للعراق، مشيراً إلى أن أي مسار جديد نحو سوق معينة أو منفذ بحري خارج الخليج يجب أن يُقيَّم من حيث جدواه الاقتصادية والاستراتيجية على المدى البعيد، لا بوصفه ظرفاً آنياً.
وقال العقابي في تصريح لـ”جريدة“، إن التوترات الجيوسياسية في الخليج أعادت طرح بديل نُقلت بموجبه شحنات من النفط الأسود العراقي بالصهاريج إلى ميناء بانياس السوري، الأمر الذي فتح نقاشاً حول قدرة الميناء، المرتبط براً بالعراق، على استيعاب كميات أكبر من المشتقات النفطية وحتى النفط الخام، وحول العائد المالي المتوقع للعراق، وما إذا كان الميناء سيتحول إلى منفذ تصديري دائم نحو البحر المتوسط.
وأوضح أن بانياس يمثل إضافة مهمة إلى منظومة التصدير العراقية، لكنه لا يصلح أن يكون بديلاً عن موانئ البصرة. وبيّن أنه لو أراد العراق رفع الكميات المصدَّرة عبره إلى نحو 150–200 ألف برميل يومياً، فلن تكون التحديات في الميناء وحده، بل في الشاحنات والطرق البرية والمعابر الحدودية، وصولاً إلى النقل بالبواخر في المتوسط. وأضاف أن زيادة الكميات ممكنة عملياً، لكنها مشروطة بتطوير المسار والتحقق من قدرته التشغيلية قبل التوسع في سقف الطموحات.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أشار العقابي إلى أنه لو افتُرض تصدير نحو 140 ألف برميل يومياً، أي أكثر من 51 مليون برميل سنوياً، فإن قيمة المبيعات ستتجاوز ثلاثة مليارات دولار سنوياً إذا كان متوسط سعر البرميل 60 دولاراً. لكنه شدد على أن هذا الرقم يمثل إيراداً إجمالياً لا أرباحاً صافية، إذ يتعين خصم التكاليف منه، مؤكداً أن المعيار الحقيقي ليس سعر بيع البرميل، بل ما يتبقى للعراق من قيمته بعد وصوله إلى المستهلك.
وبيّن أن أهمية بانياس تتجلى في كونه منفذاً لتصريف جزء من المشتقات النفطية العراقية، ولا سيما المنتجات الثقيلة، أي مخلفات التكرير وأبرزها النفط الأسود، ما يحقق فائدتين: توفير أسواق خارجية لهذه المنتجات، وتخفيف الضغط التشغيلي على خزانات المصافي العراقية، لأن امتلاءها بالنفط الأسود يوقف عمليات التكرير.
وأشار إلى أن العراق ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على منافذ الجنوب، بنسبة تصل في الظروف الاعتيادية إلى أكثر من 80%، وأن وجود مسار إضافي نحو المتوسط يمنحه مرونة أكبر في مواجهة اضطرابات الأسواق ومخاطر النقل. وعليه، فالمطلوب بحسب العقابي ليس أن يكون بانياس منافساً للبصرة، بل منفذاً لتصدير النفط ومشتقاته يعدد الخيارات أمام العراق.
وفيما يتعلق بخط كركوك–بانياس، ويُعرف فنياً بخط حديثة–بانياس، أوضح أن إعادة تأهيله أو إنشاءه تختلف اختلافاً جوهرياً عن النقل بالشاحنات، فإذا بلغت الطاقة التصديرية المستقبلية عبره مليوني برميل يومياً، كما هو مقترح ومتداول، فستتغير المعادلة الاقتصادية، لأن النقل بالأنابيب يوفر طاقة واستمرارية تفوقان النقل البري بالصهاريج. ودعا إلى أن يستند القرار إلى دراسة فنية واقتصادية تقارن كلفة البرميل عبر بانياس بكلفته عبر المسارات الأخرى.
وختم العقابي بالقول إن السؤال الأهم هو: هل يستطيع بانياس أن يوفر للعراق طريقاً إضافياً بكلفة تنافسية، وطاقة قابلة للتوسع، واستمرارية في التشغيل؟ فإذا كانت الإجابة نعم، فبإمكانه أن يتحول من ممر مرتبط بظرف معين إلى منفذ استراتيجي دائم على البحر المتوسط، أما إذا ارتفعت كلفة النقل أو ظلت القدرة محدودة، فسيبقى دوره مرهوناً بالحاجة والظروف. ولفت إلى أنه لا ينبغي للعراق أن يبقى معتمداً على منفذ واحد، ولا أن يفتح منافذ جديدة بلا حساب، إذ يجب أن يستند المعيار إلى الكمية القابلة للنقل، وتنافسية الكلفة، واستمرارية التشغيل، وصافي العائد المالي الأفضل للبلاد.