بقلم: سعد الشديدي
السؤال ليس مجازياً تماماً، إذ لم يقتصر نفوذ الولايات المتحدة الأميركية في العراق على الجانب العسكري. ففي الوقت الذي تستعد فيه القوات الأميركية لإنهاء وجودها العسكري، أو تقليصه إلى الحدود المتفق عليها، يظل نفوذها المالي أكثر تعقيداً وأشد تأثيراً في حياة العراقيين اليومية.
فالدولار، الذي تمر عبره عائدات النفط وتُموَّل به التجارة الخارجية، لا يحتاج إلى قواعد عسكرية كي يؤكد حضوره.
وتزداد حساسية هذا النفوذ مع استمرار الخلاف حول سلاح الفصائل، وتصاعد المطالب بحصر السلاح بيد الدولة، والحديث عن احتمال فرض عقوبات على مؤسسات أو شخصيات عراقية. وقد تتحول القيود المفروضة على المصارف والتحويلات إلى وسيلة ضغط على الحكومة العراقية. ولن تبقى آثارها محصورة في الجهات المستهدفة، إذ قد تؤدي إلى ارتفاع سعر الدولار وزيادة تكاليف الاستيراد، ثم تنعكس على أسعار الغذاء والدواء وسائر السلع والخدمات الأساسية.
الحديث عن «انسحاب الدولار» لا يشير إلى اختفاء العملة الأميركية من العراق أو توقف تداولها. فالعراق يعتمد بشكل أساسي على الدولار في بيع نفطه وتمويل جزء كبير من تجارته الخارجية. المقصود هنا هو احتمال تشديد الرقابة على التحويلات المالية، أو تقليل قدرة بعض المصارف على التعامل بالدولار، أو فرض قيود إضافية تؤثر على تدفق الأموال إلى السوق العراقية. وقد يسهم ذلك في توسيع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، مما يزيد من اضطراب الاقتصاد ويرفع تكاليف السلع والخدمات.
أمام الحكومة العراقية اختبار يتجاوز إدارة الانسحاب العسكري. فهي مطالبة بثلاثة أمور رئيسية: الموازنة بين حماية السيادة، ومنع استخدام الأراضي العراقية في الصراعات الإقليمية، والحفاظ على استقرار النظام المالي. كما أن عليها أن تشرح للرأي العام بوضوح طبيعة التفاهمات مع واشنطن، وما إذا كانت هناك بالفعل تهديدات مالية، أم أن بعض الحديث المتداول لا يتجاوز حدود الضغط السياسي والإعلامي؟
الإجابة لن تظهر في القواعد العسكرية التي تُغلق، بل في حركة المصارف، وتغيرات سعر الدولار، ومدى قدرة المواطن على تأمين احتياجاته الأساسية.
السؤال الأكثر أهميةً: هل تدرك الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها حجم النفوذ الأميركي في العراق، وتعي أن انسحاب القوات الأميركية قد لا يؤدي إلى زوال هذا النفوذ، بل قد يغير أدوات ممارسته؟ فالولايات المتحدة لا تزود الخزانة العراقية بالأموال مباشرة، لكنها تسيطر على واحدة من أكثر النقاط حساسية في الاقتصاد العراقي، حيث تمر عائدات النفط وتحويلات الدولار عبر نظامها المالي. ومن هنا، قد يتحول الصراع من المواجهة العسكرية المباشرة إلى ضغوط مصرفية ومالية. ولن تقتصر تأثيرات هذا الضغط على الفصائل المسلحة فقط، بل ستطال سعر الصرف والموازنة والأسواق بشكل عام. وفي نهاية المطاف، سيكون المواطن هو الحلقة الأضعف في صراع الإرادات بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة.