العراق يبدأ من شعبه

بقلم / سعد الجنابي
لم يعد ما يمرّ به العراق مجرد تعثر سياسي عابر، بل بداية انهيار نموذج سياسي استُنزفت كل مبررات بقائه. لقد تحوّلت الحكومات المتعاقبة خلال العقدين الماضيين إلى سلسلة من الكوابيس المتكررة، لا بسبب تنوع العراق، بل بسبب الطريقة التي أُدير بها هذا التنوع.
النموذج السياسي الذي تأسس بعد عام 2003 قام على منطق المحاصصة بدل الدولة، وعلى تقاسم النفوذ بدل بناء المؤسسات، وعلى إدارة الأزمات بدل حلّها. هذا النموذج لم يفشل لأنه واجه تحديات، بل لأنه بُني على أساس مختل من البداية.
ولكي يكون الكلام واضحًا:
فشل العملية السياسية ليس مسؤولية مكوّن دون آخر، ولا عرق دون غيره، ولا طائفة بعينها. لقد شاركت قوى من جميع المكونات والمسميات في تكريس هذا المسار، وساهمت بدرجات متفاوتة في إدامة نموذج لم يُنتج دولة حقيقية.
المشكلة لم تكن في تنوع العراق، بل في تحويل التنوع إلى آلية تقاسم سلطة.
لم تكن في الاختلاف، بل في استغلال الاختلاف.
لم تكن في المجتمع، بل في بنية سياسية كرّست الانقسام كأداة حكم.
لقد أصبح واضحًا أن هذا النموذج لم يعد قادرًا على الاستمرار دون أن يُدخل الدولة في مزيد من التآكل. تخبط، شلل مؤسساتي، ضعف قرار، ازدواجية سلطة، تراجع ثقة، واستنزاف موارد — كلها أعراض لخلل بنيوي عميق.
وهنا تكمن اللحظة الفاصلة.
إما أن يُعترف بأن النموذج السياسي السابق قد استنفد صلاحيته التاريخية،
أو أن يُصرّ على إعادة إنتاجه بصيغ معدّلة شكليًا، مع بقاء جوهره كما هو.
لكن الدولة لا تُبنى على التسويات المؤقتة، ولا تُدار بمنطق التوازنات الهشة. الدولة تحتاج إلى مرجعية واحدة للقرار، ومؤسسات تعمل وفق القانون لا وفق التفاهمات غير المعلنة، وسلطة واضحة لا ازدواجية فيها.
ومع ذلك، فإن جوهر التحول لا يبدأ من القمة فقط.
العراق لم يكن يومًا حكوماته، بل شعبه.
الشعب هو الثابت، أما النماذج السياسية فمراحل عابرة.
العراقيون ليسوا أزمة، بل قوة كامنة.
التنوع ليس مشكلة، بل ثروة.
الانقسام ليس قدرًا، بل نتيجة إدارة خاطئة.
إن بداية نهاية هذا النموذج لا تعني انهيار الدولة، بل تعني فرصة لإعادة تأسيسها. إعادة تأسيس تقوم على المواطنة لا الطائفة، وعلى الكفاءة لا الانتماء، وعلى السيادة لا التبعية، وعلى القانون لا التوافقات الضيقة.
الشعب العراقي وحده يمتلك القدرة على كسر الحلقة المغلقة.
حين يرفض أن يُستَخدم كأداة انقسام، يسقط مشروع الانقسام.
حين يطالب بدولة حقيقية، تتراجع الحسابات الضيقة.
العراق العظيم لا يحتاج إلى إلغاء تنوعه، بل إلى إدارة صحيحة له.
ولا يحتاج إلى إسقاط مكوّن، بل إلى إسقاط نموذج فاشل.
العراق يبدأ من شعبه.
ومن هناك تبدأ نهاية النموذج المختل… وبداية الدول



