متى يتغير النظام في العراق؟ (3) نضجت الجلود لكن العقول لم تنضج بعد

بقلم/ منقذ داغر
“كل الأشياء تخضع للتفسير لكن أياً كان التفسير السائد في وقت معين فإنه يخضع لمنطق القوة وليس منطق الحقيقة” فريدريك نيتشه.
أتاحت فرصة السجن لغرامشي وقتاً طويلاً للتأمل في حال إيطاليا في عشرينات القرن العشرين وجعلته يكتب أهم كتاب له “دفاتر ملاحظات السجن Prison Notebooks” الذي ضمّنه رؤيته لسبب تعسّر ولادة نظام حكم جديد، وعدم الخلاص من النظام القديم الذي كان كل شيء فيه متهالك ومنخوراً وفاسداً ولا يحظى برضا الناس. باختصار فإن غرامشي كان يعتقد أن الشروط الموضوعية Objective للثورة قد نضجت لكن شروطها الشخصية Subjective لم تنضج بعد، وهي حالة حينما تتمعن فيها تجدها قريبة بل مشابهة لما يمر به العراق اليوم.
لقد سادت حالة من التفاؤل والاعتقاد أن بإمكان الشباب المنتفض في تشرين 2019 أن يغيّر نظام الحكم والسلطة في العراق بطريقة سلمية. لكن هذا الأمل سرعان ما تبدد بعد أن لجأت قوى الحكم إلى أدواتها التقليدية (العنف) وأوغلت في الدم العراقي المقدس. والحقيقة فإن السلطة لم تتمكن من قمع تشرين وإخمادها بالقوة فحسب، وإنما لعدم نضج الشروط الشخصية رغم نضج الظروف الموضوعية للتغيير. كما أن ضعف المجتمع المدني العراقي من جهة أخرى ساهم في تشتيت قوة المنتفضين وإعانة السلطة على قمعهم.
بذلك تمكنت “وحوش” السياسة، حسب تعبير غرامشي، من وأد التغيير والانتصار في معركة الهيمنة Hegemony على السلطة فتم الإبقاء على القديم وإحباط وتيئيس الجديد. لكن ما هي الظروف التي أدت لهذه المفارقة التاريخية، أي نضج الشروط الموضوعية، وعدم نضج الشروط الشخصية؟
ظروف السياسة والمجتمع المدني
حين تقرأ ما كتبه غرامشي عن أوضاع إيطاليا السياسية والاجتماعية خلال فترة ما بين الحربين العظميين تستطيع أن تميّز أوجه الشبه بين تلك الأوضاع وحال العراق اليوم. فإيطاليا التي كانت تخضع لحكم موسوليني آنذاك كانت من حيث الدستور دولة برلمانية ليبرالية. لكن البرلمان فيها كان ضعيفاً كما هو حال البرلمان العراقي الذي تحوّل من هيئة ديمقراطية لتمثيل الشعب إلى هيئة أوليغاركية لتمثيل مجموعة صغيرة من قيادات الصف الأول التي تدير البرلمان من قصورها ومزارعها ومقراتها.
ميّز غرامشي بين مستويين من البنية الفوقية: المجتمع المدني والمجتمع السياسي. يمثل المجتمع السياسي مجال الهيمنة المباشرة من خلال جهاز الدولة والشرطة والجيش (والميليشيات في العراق). أما المجتمع المدني فيشمل شبكة من المؤسسات مثل المدارس والكنائس ووسائل الإعلام والمنظمات الثقافية حيث تُمارس السيطرة المهيمنة من خلال الإقناع والموافقة.
اعتقد غرامشي أن المؤسسات المدنية في إيطاليا آنذاك كانت ضعيفة وغير قادرة على لعب دور الوسيط بين الشعب وبين الدولة. هذا تماماً ما تعانيه القوى المدنية في العراق حالياً والتي لا تعاني فقط من الضعف، بل من الخوف والملاحقة من السلطة حتى فقدت قدرتها على أن تكون مخففاً لصدمات المستوى السياسي تجاه المجتمع.
تكمن عبقرية تحليل غرامشي في إدراك أن الهيمنة الفعالة تتطلب كلا العنصرين (السياسي والمدني). ففي حين أن القوة القسرية لا تزال مهمة، تكرس الطبقة الحاكمة الاستقرار من خلال جعل نظرتها للعالم تبدو منطقية للسكان الأوسع (الهيمنة الفكرية). وتطبيقاً وتكريساً لهذه الهيمنة في العراق مثلاً، فإن النخبة الحاكمة لا تكتفي باستخدام منطق الخوف والعصا، بل تواجه كثيراً من دعوات التغيير والإصلاح بالرفض لأنها تارةً دعوات ضد الدين، وتارةً ضد الثقافة والتقاليد العراقية، أو أنها من صنع قوى أجنبية شريرة. لذلك يُتّهم من يتبناها بأنهم (أولاد السفارة) بدلاً من وصفهم بأولاد الحضارة. وإذا فشل كل ذلك فإن التخويف من التغيير ونتائجه وما قد ينجم عنه من فوضى، أو من فقدان “الشيعة” لسلطتهم كما حصل في سوريا مثلاً، أو حتى فقدان سياسيي “السنة” لامتيازاتهم، يكون حاضراً بقوة للجم جماح التغيير وتثبيط همة المصلحين.
وبخصوص دور الدين -كأحد أهم مكونات المجتمع المدني- في عرقلة التغيير فقد ميّز غرامشي بين الدين الشعبي Popular Religion الذي يراه كتعاليم للمساواة والعدالة والأخلاق الحميدة التي يمكنها أن تكون أداة للتحرر إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح من قبل المهمشين في المجتمع، وبين المؤسسة الدينية التي يرى أنها تحالفت مع النظام آنذاك في صفقة تبادل منافع ضمنت بقاء النظام قائماً ومنعت التغيير.
وفي العراق فقد شهدنا مواقف متباينة للمؤسسات الدينية المختلفة تراوحت بين التواطؤ التام أو الجزئي مع النخبة الحاكمة أو المطالبة بالتغيير من خلال دور إعلامي ووعظي لم يعد يعني النخب المهيمنة أو يؤثر في مواقفها كثيراً. وعلى الرغم من القدرة الهائلة التي تتمتع بها المؤسسة الدينية في العراق إلا أنه لا يبدو أنها راغبة -لأسباب قد تكون موضوعية حالياً- في المضي كثيراً في تحقيق التغيير، مع أن هناك دلالات وإشارات تبرز بين الفينة والأخرى معلنةً -على الأقل- عن عدم رضا عن أداء “وحوش” السياسة.
أما المدارس والجامعات في العراق، كأحد أعمدة المجتمع المدني، فلم تعد واحدة من مصانع التغيير كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين بعد أن تم تحويلها إلى مصانع لتعليب الآيدولوجيا في عهد البعث، ثم صارت منصات لتعليم المقهورين وغير القادرين على التغيير، بحسب مصطلح الفيلسوف البرازيلي باولو فريري، في عهد ما بعد الاحتلال الأمريكي. هذا فضلاً عن كونها باتت مرتعاً للمحاصصة الحزبية والآيدولوجيا الدينية.



