بقلم / عبد الحكم الكيلاني
تستمر الإدارات المالية والتنفيذية في العراق في تقديم نموذج صارخ للإرباك وغياب الرؤية المستقبليّة، وهو ما تجلى بوضوح في الأزمة الأخيرة التي أثارتها هيئة الكمارك العامة. فما إن أعلنت الهيئة في بداية الشهر المنصرم عن قرار “الاستحصال المسبق” للكمارك والضرائب على المواد المستوردة، حتى تراجعت عنه وأعلنت إيقاف العمل به بعد سبعة أيام فقط من إقراره!
إن هذا الفارق الزمني الوجيز بين صدور القرار وإلغائه لا يثير التساؤلات فحسب، بل يضعنا أمام علامات استفهام كبرى حول آلية اتخاذ القرار في المؤسسات السيادية، ويؤكد وجود تخبط واضح، وغياب تام للدراسات المستفيضة التي تفهم الواقع الاقتصادي للبلد وتستوعب آثاره المباشرة على السوق والمواطن.
1. الرسوم الجمركية المرتفعة وغياب البديل المحلي
حيث ان تثبيت نسبة الضرائب والكمارك عند 33% من قيمة أغلب البضائع المستوردة تعتبر خطوة قاسية ومجحفة. وفي الوقت الذي تُستخدم فيه مثل هذه السياسات الحماية الجمركية في دول العالم كأداة لدعم وتشجيع “المنتج المحلي”، نجد أن تطبيقها في العراق يفتقر إلى البديل الوطني القادر على سد احتياجات السوق. وبالتي خلق مشكلة اكبر من حل عجز او مشكلة اخرى . والتي لها نتائج مباشرة :
أ- ارتفاع في أسعار السلع والبضائع داخل الأسواق المحلية مع عدم وجود البديل .
ب- إثقال كاهل المواطن الذي لم يعد بمقدوره تحمّل هذه الأعباء المعيشية.
ت- حدوث حالة من الانكماش وضعف الإقبال الشديد على الشراء، مما أدخل الأسواق في حالة من الجمود.
ث- زيادة في البطالة نتجية قلة المشاريع والطلب وحركات البيع والشراء .
2. اضطراب سعر الصرف وتآكل الدخل الفعلي
لم تقف الأزمة عند الحدود الجمركية، بل تزامنت مع قرارات وزارة المالية والسياسات النقدية المتعلقة بتعديل سعر الصرف ليتجاوز حاجز 1500 دينار للدولار الواحد، مع استمرار ارتفاعه المتسامي في السوق الموازي.
إن انخفاض قيمة العملة الوطنية أمام الدولار يعني بوضوح تآكل القيمة الشرائية لمدخولات المواطنين، وزيادة الكلف التشغيلية على التجار. هذا التناغم السلبي بين ارتفاع الضرائب وانخفاض قيمة الدينار يتجه بالبلاد بشكل صريح نحو ركود اقتصادي شبه تام.
3. ضرب الثقة بالبيئة الاستثمارية وهرب رؤوس الأموال
إن أخطر ما ينتج عن هذه القرارات الارتجالية هو فقدان الثقة:
أ- التاجر المحلي: حيث بات يعيش حالة من الخوف الخلاق والخشية المستمرة على رأس ماله من التآكل، مما يدفعه إما إلى حصر نشاطه أو تحويل أسعاره للتحوط الشديد، وهو ما يرفع الأسعار بدرجات أكبر.
ب- المستثمر الأجنبي: يبحث الاستثمار دائماً عن الاستقرار والشفافية. إن التغيير المستمر في سعر الصرف، والتذبذب في الرسوم، وارتفاع أسعار المواد الأولية، يجعل من البيئة العراقية بيئة طاردة للشركات الأجنبية، ويقضي على أي أمل في جذب رؤوس الأموال للتنمية.
خلاصة القول :
إن إدارة الاقتصاد بمنطق “التجربة والخطأ” وإصدار القرارات السريعة ثم التراجع عنها يرسل إشارات خطيرة إلى الداخل والخارج بأن القرار الاقتصادي العراقي يعاني من العشوائية. وإن استمرار هذا التخبط لا يهدد حركة التجارة اليومية فحسب، بل يصيب عجلة التنمية الشاملة بالشلل التام، ويضع الاقتصاد الوطني على شفا جرف هارٍ من الانهيار إذا لم تكن هناك مراجعة حقيقية وسياسات مدروسة تستند إلى واقع السوق وتراعي معيشة المواطن. وللخروج من هذه الدائرة، تتطلب المرحلة تشكيل لجنة أعلى للتنسيق بين السياستين المالية والنقدية، وإخضاع أي قرار جمركي أو ضريبي لدراسات أثر اجتماعي واقتصادي قبل التشريع والاعتماد
تخبط القرارات المالية يهدد الاقتصاد العراقي بالانهيار