جريدة |..

حذّر الخبير المالي والاقتصادي عبد الرحمن المشهداني من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية المحتملة لقرار خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار، مشيراً إلى أن المكاسب المالية المتوقعة للحكومة قد تكون أقل بكثير من التقديرات المعلنة، في مقابل ارتفاع كلفة المعيشة وتراجع الدخول الحقيقية للمواطنين.

وقال المشهداني في حديث لـ”جريدة”،إن البنك المركزي كان الأجدر به، قبل الإقدام على قرار يمس القوة الشرائية للمواطنين، تقييم نتائج تجاربه السابقة، ولا سيما خفض قيمة الدينار في 19 كانون الأول 2020 وإعادة رفعها في شباط 2023، لقياس مدى نجاح تلك الإجراءات في دعم الصناعة والزراعة وتحفيز الاقتصاد الوطني، وتحديد ما إذا كان القرار الجديد يستند إلى أهداف اقتصادية استراتيجية أم يهدف أساساً إلى تمويل عجز الموازنة.

مكاسب مالية محدودة

وأوضح المشهداني أن من أبرز إيجابيات القرار اتخاذه بصورة سريعة ومفاجئة، الأمر الذي حدّ، بحسب تقديره، من فترة الجدل والتجاذبات التي قد ترفع كلفة الإجراءات على المواطنين والأسواق، مستشهداً بالتجربة السابقة التي شهدت تسريب مسودة الموازنة قبل أشهر من إقرار تغيير سعر الصرف، وما رافقها من اعتراضات نيابية وانتهى تمريرها لاحقاً بهدوء، وسط خسائر تكبدها البنك المركزي والتجار.

وفي ما يتعلق بالمردود المالي، أشار المشهداني إلى أن التقديرات النظرية تضع الوفورات المحتملة للحكومة عند نحو 16.5 تريليون دينار، في حال تحققت توقعات الإيرادات النفطية وتصدير أربعة ملايين برميل يومياً، وهو ما وصفه بأنه افتراض بالغ الصعوبة.

وأضاف أن العائد الفعلي قد يكون أقل من خمسة تريليونات دينار، وفق تقديره، نتيجة الالتزامات المالية التي تتطلب السداد بالدولار، بما فيها مستحقات الشركات النفطية، وأقساط الديون الخارجية وفوائدها، فضلاً عن المشتريات والتعاقدات الخارجية والالتزامات الدولية. كما أن مشتريات الحكومة المحلية بالعملة العراقية ستتأثر بدورها بارتفاع سعر الصرف، ما يقلص جانباً من الوفورات المتوقعة.

تراجع القدرة الشرائية ومخاطر اجتماعية

وحذّر المشهداني من أن الأثر الأبرز لخفض قيمة الدينار يتمثل في تراجع الدخول الحقيقية للمواطنين، ولا سيما أصحاب الرواتب الثابتة والفئات محدودة الدخل، متوقعاً اتساع شريحة الأسر التي تواجه صعوبات معيشية، بما قد يفرض على الحكومة تخصيص جزء من الإيرادات الإضافية لدعم الفئات الأكثر هشاشة.

ورأى أن المكاسب المالية المتحققة، حتى لو بلغت عشرة تريليونات دينار، لا تتناسب بالضرورة مع حجم الأضرار المحتملة، معتبراً أن هذه الإيرادات قد تعادل راتب شهر واحد، في حين أن آثار القرار قد تمتد إلى القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي لفترة أطول.

ولفت إلى أن ارتفاع الأسعار في الأسواق قد يتجاوز نسبة التغيير في سعر الصرف، بسبب ما وصفه بإضافة التجار هوامش إضافية لتعويض حالة عدم اليقين بشأن الإجراءات الاقتصادية. وضرب مثالاً بسلعة مستوردة يبلغ سعرها ثلاثة آلاف دينار قبل التغيير، موضحاً أن ارتفاعاً بنسبة 13% يفترض أن يرفع سعرها إلى نحو 3390 ديناراً، إلا أن سعرها قد يصل إلى أربعة آلاف دينار في السوق نتيجة الزيادات الإضافية.

كما أشار إلى أن تراجع القوة الشرائية لأصحاب الدخول الثابتة قد يكون أكبر من نسبة التغيير في سعر الصرف، محذراً من أن تفاقم الضغوط المعيشية قد ينعكس سلباً على استقرار الأسر والمجتمع.

دعم الصناعة والزراعة يتطلب إصلاحات أوسع

وفي سياق متصل، شكك المشهداني في قدرة خفض قيمة الدينار، بمفرده، على دعم الإنتاج المحلي في ظل استمرار التهريب وضعف السيطرة على الحدود، مؤكداً أن تحقيق أهداف الإصلاح الاقتصادي يتطلب إجراءات مباشرة لحماية المنتج الوطني وتعزيز قدرته التنافسية.

وشدد على أن دعم الصناعة والزراعة ينبغي أن يبدأ بتوفير الدعم للمصانع والمزارعين العراقيين، وحماية منتجاتهم من المنافسة الخارجية، قبل اللجوء إلى تغيير سعر الصرف بوصفه أداة لمعالجة الاختلالات الاقتصادية.

وختم المشهداني بالتأكيد على أن نجاح أي برنامج للإصلاح الاقتصادي يرتبط بتوافر الاستقرار السياسي والأمني، معتبراً أن غياب هذه المقومات يضعف فرص نجاح السياسات الاقتصادية ويحدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها المعلنة.