جريدة |..
يجد العراق نفسه أمام ضغوط متزايدة على قطاع الطاقة والتجارة، في ظل اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، بالتزامن مع المخاطر المرتبطة بـمضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة للعراق، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على منافذ وطرق بحرية محدودة في تصدير نفطه، ما يجعل أي اضطراب في الممرات البحرية الاستراتيجية عاملاً ضاغطاً على قدرته التصديرية وعلى كلفة وصول صادراته إلى الأسواق العالمية.
هرمز.. نقطة الاختناق الأولى
ويمثل مضيق هرمز أحد أهم شرايين تصدير النفط في المنطقة، فيما يمر الجزء الأكبر من صادرات العراق النفطية عبر موانئ البصرة المطلة على الخليج العربي، ما يجعل أي اضطراب طويل في حركة الملاحة عبر المضيق مصدر خطر مباشر على تدفقات النفط العراقية.
ولا تقتصر المخاطر على احتمال توقف أو تأخر الصادرات، إذ إن ارتفاع المخاطر الأمنية في المنطقة ينعكس عادة على أسعار التأمين وأجور الناقلات وكلفة الشحن، وهي تكاليف يتحملها قطاع الطاقة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع ارتفاع كلفة نقل البرميل العراقي إلى الأسواق العالمية، يمكن أن تتقلص العوائد الصافية من الصادرات، حتى في حال استفاد العراق جزئياً من ارتفاع أسعار النفط العالمية.
باب المندب.. الضغط الثاني
وفي المقابل، فإن اضطراب أو إغلاق باب المندب يفتح أزمة أخرى أمام حركة التجارة والطاقة، إذ إن المضيق يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه تمر السفن المتجهة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس.
وفي حال تراجع حركة السفن عبر باب المندب، قد تضطر شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، وهو ما يعني رحلات أطول، واستهلاكاً أكبر للوقود، وارتفاعاً في أقساط التأمين وكلفة الشحن.
وبالنسبة للعراق، فإن المشكلة لا تتوقف عند صادرات النفط، بل تمتد إلى كلفة استيراد السلع والمعدات والمواد الأولية، الأمر الذي يمكن أن ينعكس على الأسعار المحلية وسلاسل الإمداد.
العراق.. خيارات محدودة أمام أزمة متعددة المسارات
وتكمن خطورة الوضع بالنسبة لبغداد في محدودية البدائل المتاحة أمامها. فالعراق لا يمتلك في الوقت الراهن شبكة واسعة من طرق تصدير النفط يمكنها بسهولة تعويض اضطراب الممرات البحرية الرئيسية.
وعلى الرغم من وجود منافذ وخيارات أخرى، فإن قدرتها على استيعاب كامل الصادرات العراقية تبقى محدودة مقارنة بحجم الإنتاج والتصدير، ما يجعل أي أزمة طويلة في طرق الملاحة البحرية أكثر تأثيراً على الاقتصاد العراقي.
كما أن نقل النفط براً أو عبر مسارات بديلة لا يمثل حلاً سريعاً أو كاملاً، نظراً إلى اختلاف الطاقات الاستيعابية والبنية التحتية والكلفة والاعتبارات السياسية والأمنية المرتبطة بكل مسار.
ارتفاع أسعار النفط.. مكسب ظاهري لا يلغي المخاطر
وقد يبدو ارتفاع أسعار النفط نتيجة اضطراب الملاحة عاملاً إيجابياً للعراق باعتباره دولة نفطية، إلا أن الصورة أكثر تعقيداً.
فالعراق قد يحصل على إيرادات أكبر من كل برميل إذا ارتفعت الأسعار، لكن هذه الزيادة قد تتزامن مع ارتفاع كلفة النقل والتأمين، وتراجع القدرة على التصدير، وارتفاع كلفة الاستيراد، واضطراب حركة التجارة.
وبذلك، فإن ارتفاع سعر النفط لا يعني بالضرورة أن العراق سيكون المستفيد الأكبر من الأزمة، خصوصاً إذا استمرت الاضطرابات لفترة طويلة وأثرت في حجم الصادرات وليس في الأسعار فقط.
الخطر الأكبر.. اجتماع هرمز وباب المندب
ويصبح المشهد أكثر خطورة إذا استمرت اضطرابات هرمز بالتزامن مع إغلاق أو تهديد باب المندب، إذ سيكون العراق أمام ضغط مزدوج على شرايين الطاقة والتجارة.
فمن جهة، يواجه مسار تصدير النفط عبر الخليج مخاطر مرتبطة بمضيق هرمز، ومن جهة أخرى تتعرض طرق التجارة البحرية المتجهة عبر البحر الأحمر لضغوط إضافية.
وفي هذه الحالة، لا تكون المشكلة في ارتفاع سعر النفط وحده، وإنما في قدرة العراق على إيصال صادراته بكلفة مقبولة، والحفاظ على انسيابية التجارة، وتأمين احتياجاته المستوردة.
اختبار للعراق
وتضع هذه التطورات الحكومة العراقية أمام اختبار يتعلق بمدى جاهزية البلاد للتعامل مع الأزمات الجيوسياسية التي تضرب ممرات الطاقة العالمية.
فكلما طال أمد الاضطرابات، ازدادت الحاجة إلى تفعيل البدائل المتاحة، وتوسيع قدرات التصدير غير المرتبطة بممر بحري واحد، والاستثمار في البنية التحتية وخطوط الأنابيب والمنافذ البرية، بما يقلل اعتماد الاقتصاد العراقي على عدد محدود من طرق التصدير.
وفي ظل غياب بدائل واسعة وسريعة، يبقى العراق من أكثر الاقتصادات عرضة لتداعيات أي اضطراب طويل في هرمز وباب المندب، ما يجعل تنويع طرق تصدير النفط وتأمين سلاسل التجارة قضية اقتصادية وأمنية تتجاوز حدود الأزمة الحالية.