جريدة |..
حذّر خبير شؤون الطاقة يحيى العقابي من أن تزامن الاضطرابات في مضيقي هرمز وباب المندب قد يقود إلى تداعيات تتجاوز ارتفاع أسعار النفط، لتطال منظومة الطاقة والنقل والتجارة العالمية، مع ارتفاع كلف الشحن والتأمين وزيادة أسعار السلع والمنتجات المستوردة.
وقال العقابي في تصريح لـ”جريدة“، إن هرمز وباب المندب يمثلان عقدتين أساسيتين في حركة الطاقة والتجارة بين الخليج وآسيا وأوروبا، مشيراً إلى أن انخفاض حركة السفن عبر مضيق هرمز مقارنة بما قبل الحرب، بالتزامن مع استمرار حركة الملاحة عبر باب المندب، يعكس حساسية خطوط الإمداد العالمية تجاه أي اضطراب في هذين الممرين.
وأوضح أن أسعار خام برنت تجاوزت حاجز 100 دولار للبرميل، فيما ارتفعت كلفة نقل السفن ذات الحمولات الكبيرة المتجهة من الخليج إلى الصين إلى مستويات مرتفعة، ما يضيف أعباء جديدة على أسواق الطاقة والنقل.
وبيّن أن بقاء الممرات البحرية مفتوحة بصورة جزئية، مع ارتفاع كلف التأمين والشحن، قد يعني استمرار أسعار النفط عند مستويات أعلى من السابق، بالتزامن مع ارتفاع أسعار البنزين والديزل ووقود الطائرات، لكنه قد يبقي تأثير التضخم ضمن مستويات محدودة نسبياً.
أما في حال استمرار الاضطراب لفترة طويلة، بحسب العقابي، فقد تضطر أعداد أكبر من السفن إلى تغيير مساراتها عبر رأس الرجاء الصالح، الأمر الذي يعني زيادة مسافات الرحلات واستهلاك الوقود وأيام الإبحار، فضلاً عن ارتفاع كلف التأمين والنقل.
وحذّر من أن السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في حدوث اضطراب متزامن في مضيقي هرمز وباب المندب، معتبراً أن التداعيات في هذه الحالة لن تقتصر على ارتفاع سعر النفط، وإنما قد تشمل نقصاً في بعض الإمدادات، وارتفاع أجور الناقلات وكلف التأمين وأسعار المنتجات النفطية والغاز الطبيعي المسال.
وأضاف أن ارتفاع كلف النقل والطاقة سينعكس تدريجياً على أسعار الغذاء والسيارات والمعدات وقطع الغيار وسائر السلع المستوردة، لافتاً إلى أن أسواق الناقلات بدأت بالفعل تسجيل مستويات مرتفعة.
وفيما يتعلق بالدول المصدرة للنفط، أشار العقابي إلى أن ارتفاع سعر البرميل قد يمنحها إيرادات إضافية، إلا أن هذه المكاسب لن تكون متساوية بين جميع الدول، إذ يمكن أن تلتهم الزيادة في كلف الشحن والتأمين والخصومات السعرية على النفط الخام جزءاً من العوائد الإضافية.
وأشار إلى أن ارتفاع أسعار النفط قد يتحول، مع استمرار الأزمة، من مكسب للدول المنتجة إلى عامل ضغط على الاقتصاد العالمي، نتيجة ارتفاع التضخم وتراجع الطلب، ما يجعل الفائدة الناتجة عن ارتفاع الأسعار محدودة على المدى المتوسط.
العراق بين مكاسب النفط وكلفة التجارة
وبشأن العراق، رأى العقابي أن ارتفاع أسعار النفط قد يوفر مكاسب مالية إضافية للخزينة، باعتبار أن كل زيادة في سعر برميل النفط تعني إيرادات أعلى، ولا سيما مع اعتماد الدولة بشكل كبير على الإيرادات النفطية.
لكنه لفت في الوقت ذاته إلى أن معظم الصادرات النفطية العراقية البحرية تمر عبر الخليج ومضيق هرمز، ما يجعل استمرار الاضطراب في المضيق عاملاً قد يرفع كلف التأمين والشحن ويزيد الخصومات السعرية على خام البصرة، بما قد يؤدي إلى تذبذب في حركة الصادرات والعوائد الفعلية.
وفي المقابل، اعتبر أن اضطراب باب المندب قد تكون آثاره أكثر وضوحاً على كلفة السلع والبضائع المستوردة إلى العراق من آسيا وأوروبا، نتيجة اضطرار السفن إلى تغيير مساراتها والإبحار حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف أياماً ومسافات واستهلاكاً أكبر للوقود وكلفاً إضافية للتأمين.
وخلص العقابي إلى أن العراق قد يستفيد مالياً من ارتفاع أسعار النفط، لكن هذه المكاسب ستقابلها زيادة في كلف الشحن والتأمين وأسعار السلع، وهو ما يعني انتقال جزء من كلفة الأزمة إلى الدولة والمواطن.
وأكد أن مصدر القلق الحقيقي، في تقديره، لا يتمثل في وصول سعر برميل النفط إلى 110 أو 120 دولاراً، وإنما في تحول اضطراب هرمز وباب المندب إلى أزمة متزامنة في الطاقة والنقل والتجارة العالمية، بما قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بالتزامن مع تباطؤ اقتصادي عالمي، ويدفع الاقتصاد الدولي نحو التضخم وانخفاض معدلات النمو، بدلاً من أن تكون الأزمة مجرد طفرة مؤقتة في أسعار النفط.