جريدة/..
على مدى السنوات الماضية، بدت العلاقات العراقية–السعودية وكأنها تتحرك بين مسارين متوازيين؛ انفتاح اقتصادي وسياسي معلن من جهة، وحذر متبادل وتباعد في بعض الملفات من جهة أخرى. فبعد سنوات طويلة من الفتور، أعاد البلدان تنشيط قنوات الاتصال، وأُسس مجلس التنسيق السعودي–العراقي بوصفه منصة لتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والأمني والاستثماري. كما ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو 1.5 مليار دولار عام 2022، بزيادة 50% عن العام السابق، وفق البيانات السعودية الرسمية.
لكن هذا الانفتاح لم يتحول حتى الآن إلى شراكة استراتيجية متكاملة تتناسب مع حجم البلدين وموقعهما الجغرافي وثقلهما الاقتصادي. فما زالت العلاقة تتقدم في بعض الملفات وتتراجع أو تتباطأ في ملفات أخرى، الأمر الذي يطرح سؤالاً أساسياً: هل يعود ذلك إلى اختلاف في أولويات بغداد والرياض، أم إلى حسابات أمنية وسياسية أعمق؟
من وجهة النظر السعودية، يبدو أن أمن الحدود واستقرار العراق وعدم تحول أراضيه إلى مصدر تهديد لدول الجوار يمثلان عوامل أساسية في تحديد مستوى العلاقة. وقد أكد البلدان في اجتماعات مجلس التنسيق أهمية التعاون في تأمين الحدود ومواجهة الإرهاب والتطرف. وفي ظل التصعيد الإقليمي خلال 2026، ازدادت حساسية الرياض تجاه الهجمات التي تنطلق من الأراضي العراقية أو ترتبط بفصائل عراقية، في وقت تحاول فيه السعودية تجنب الانخراط في حرب إقليمية واسعة وحماية مشاريعها الاقتصادية والاستثمارية.
في المقابل، تنظر بغداد إلى العلاقة من زاوية مختلفة؛ فهي تسعى إلى توسيع علاقاتها العربية والإقليمية وجذب الاستثمارات السعودية، وتحويل الحدود والمنافذ المشتركة إلى أدوات للتجارة والنقل بدلاً من بقائها هواجس أمنية. وقد دعت الحكومات العراقية المتعاقبة الشركات السعودية إلى الاستثمار في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة والبنية التحتية، فيما ناقش البلدان إنشاء شراكات استثمارية ومشاريع مشتركة.
اقتصادياً، تبدو المفارقة أوضح. فالمصالح المشتركة كبيرة: حدود برية، سوق عراقية واسعة، رؤوس أموال سعودية، موارد وطاقة عراقية، وإمكانية بناء ممرات تجارية تربط الخليج بالعراق وتركيا وبلاد الشام. ومع ذلك، بقيت الاستثمارات والتجارة دون مستوى الإمكانات التي تحدث عنها الطرفان منذ تأسيس مجلس التنسيق. حتى إن البيان المشترك للمجلس عام 2023 شدد على ضرورة إزالة العقبات أمام المستثمرين وتسريع المشاريع وفتح منافذ حدودية جديدة.
وهنا تبرز إحدى أهم الإشكاليات: هل المشكلة في استعداد السعودية للاستثمار في العراق، أم في البيئة العراقية نفسها؟ فبينما تشير الرياض إلى أهمية توفير بيئة استثمارية آمنة ومحفزة، تؤكد بغداد حاجتها إلى مزيد من رؤوس الأموال والشراكات السعودية. وبالتالي فإن تباطؤ بعض المشاريع يمكن تفسيره، من وجهتي النظر، بعوامل مختلفة تشمل الأمن، والبيروقراطية، والبيئة القانونية والاستثمارية، إضافة إلى الحسابات السياسية الإقليمية.
كما أن الجغرافيا نفسها قد تكون عاملاً في العلاقة أكثر مما تبدو عليه. فالعراق يمثل للسعودية منفذاً برياً إلى أسواق الشمال، بينما يمكن للسعودية أن تشكل للعراق بوابة أوسع نحو الخليج ورأس المال والاستثمار. ولذلك فإن استمرار ضعف حركة التجارة والاستثمار مقارنة بالإمكانات المتاحة يثير سؤالاً يتجاوز العلاقات الثنائية: لماذا لم تتحول الحدود السعودية–العراقية من مساحة أمنية حساسة إلى شريان اقتصادي إقليمي؟
ورغم هذه التباينات، لا تبدو العلاقة في حالة قطيعة؛ بل إن المؤشرات الرسمية تظهر استمرار التواصل الاقتصادي والاستثماري، فيما تؤكد الرياض في تصريحات حديثة التزامها بالعلاقة مع العراق وشعبه.