هندسة الردع والدبلوماسية الخشنة في مضيق هرمز

بقلم/ محمد النصراوي
يبرز مضيق هرمز كعصب حيوي يربط بين توازنات القوة العسكرية وطموحات النفوذ الإقليمي في قلب الجغرافيا السياسية الأكثر تعقيداً في العالم، حيث يتحول هذا الممر المائي الذي لا يتجاوز عرض اضيق مسار للملاحة فيه ثلاثة كيلومتر إلى مسرح لحرب أعصاب دولية تتجاوز في أبعادها مجرد استعراض القوة البحرية، إن القراءة الاستقصائية لواقع موازين القوى في الخليج تكشف عن مفارقة كبيرة؛ فبينما تلوح طهران بقدرتها السيادية على إغلاق المضيق، تصطدم هذه الرغبة بحقائق ميدانية تؤكد أن التفوق التكنولوجي والعسكري يميل بوضوح لصالح الولايات المتحدة وحلفائها، فإيران، التي تعتمد في استراتيجيتها الدفاعية على الحرب غير المتناظرة، تملك مخزوناً كبيراً من الألغام البحرية والزوارق السريعة القادرة على تعطيل الملاحة في الجزء الخاضع لسيطرتها، إلا أن الأسطول الخامس الأمريكي المتمركز في المنامة استعد منذ زمن لهذا السيناريو عبر نشر منظومات متطورة لصيد الألغام، مثل غواصات سيفوكس المسيرة ومركبات MK 18 Kingfish التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لتحييد التهديدات تحت الماء دون الحاجة لتدخل بشري مباشر، هذا الفارق التقني يجعل من فكرة الإغلاق الشامل للمضيق أمراً مستحيلاً من الناحية العملياتية، خاصة وأن الجانب العماني من المضيق يظل محمياً بموجب القانون الدولي والاتفاقيات الأمنية التي تعتبر المساس بحرية الملاحة هناك خطاً أحمر يستوجب رداً عسكرياً شاملاً قد لا تستطيع طهران تحمل عواقبه السياسية أو الوجودية.
وفي موازاة هذا التوتر البحري، تبرز جنيف كساحة لمعركة دبلوماسية لا تقل ضراوة، حيث دفعت طهران بفريق المهندسين والسياسيين الأكثر دهاءً في تاريخها المعاصر؛ فوجود عباس عراقجي، مهندس الاتفاق النووي لعام 2015، وإلى جانبه كاظم غريب آبادي ومجيد تخت روانتشي، يعكس تحولاً استراتيجياً من لغة التهديد العسكري الصرف إلى محاولة إيجاد ثغرة فنية في جدار الأزمة، إن إرسال شخصيات ذات ثقل تقني وفني في المجال النووي، إلى جانب دبلوماسيين محترفين، يشير بوضوح إلى أن إيران تبحث عن صفقة تضمن لها الاحتفاظ بحد أدنى من برنامجها النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية التي بلغت ذروتها بتقلص مبيعات النفط الإيراني وتدهور العملة المحلية، هذه المناورة الدبلوماسية، التي يراقبها عن كثب المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، تأتي في وقت تدرك فيه طهران أن الوقت ليس في صالحها، خاصة مع تصريح غروسي الأخير بأن هامش المناورة بدأ يضيق، والوصول إلى حل تقني يتطلب إرادة سياسية لم تعد تحتمل التأجيل، إن التحرك الإيراني في جنيف هو محاولة لفك الارتباط بين الضغط العسكري الميداني والخنق الاقتصادي، حيث تسعى طهران لتقديم تنازلات فنية مدروسة بدقة لضمان بقاء النظام الاقتصادي بعيداً عن الانهيار الكلي.
وعلى الجانب الآخر، تتبع واشنطن استراتيجية الضغط المزدوج التي تجمع بين العقوبات المالية المشددة وتحريك الاساطيل العسكرية الثقيلة؛ فدفع الولايات المتحدة بحاملات الطائرات والمدمرات المجهزة بمنظومات إيجيس الدفاعية أمام السواحل الإيرانية ليس مجرد رسالة رمزية، بل هو إجراء عملياتي لضمان أمن تدفقات الطاقة العالمية، فمضيق هرمز يمر عبره نحو 20% من استهلاك النفط العالمي، وأي اضطراب في هذا الشريان سيعني قفزة فورية في أسعار النفط قد تتجاوز 120 دولاراً للبرميل، مما يهدد الاستقرار الاقتصادي في واشنطن وعواصم أوروبا على حد سواء.
وفي هذا السياق، تبرز الخطوة الإيرانية الأخيرة بإغلاق المجال الجوي فوق مفاعل أصفهان كإجراء دفاعي “تجريبي” ينم عن قلق حقيقي من ضربات جوية محتملة؛ فهذا الإغلاق يهدف إلى تحويل المنطقة الجوية إلى “منطقة قتل” محددة، حيث يصبح أي جسم طائر هدفاً مشروعاً وواضحاً للدفاعات الجوية، مما يسهل عملية الرصد والاشتباك مع المسيرات المتطورة التي قد تستهدف البنية التحتية الحساسة للبرنامج النووي.
إن التحليل العميق لهذه المعطيات يقودنا إلى استنتاج مفاده أن إيران تلوح بورقة هرمز كجزء من عقيدة الحرب الشاملة لرفع سقف مطالبها، لكنها في الواقع تدرك أن السلاح الجوي الإيراني المتقادم، الذي تعود معظم قطعه إلى حقبة الحرب الباردة، لا يمكنه الصمود في مواجهة طائرات الجيل الخامس الأمريكية والمنظومات السيبرانية المتطورة؛ لذا، فإن التصعيد الإعلامي والمناورات العسكرية التي تجريها طهران في المضيق هي أدوات تفاوضية أكثر من كونها خططاً للحرب، إن الصراع الحالي هو صراع على السيادة التقنية والأمن القومي الاقتصادي، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه قبل الوصول إلى نقطة الانفجار، وفي ظل وجود قرابة 50 ألف جندي أمريكي منتشرين في قواعد عسكرية في الشرق الأوسط، وتواجد مكثف للقطع البحرية في بحر العرب وخليج عمان، يظل خيار الإغلاق العسكري لهرمز انتحاراً جيوسياسياً، مما يجعل من طاولة المفاوضات في جنيف المخرج الوحيد المتاح، شريطة أن تنجح الدبلوماسية في سد الفجوة بين طموحات طهران النووية والخطوط الحمراء التي رسمتها واشنطن في مياه الخليج المشتعلة.



