قرار إلغاء احتساب الشهادات… إصلاح إداري أم تهميش للكفاءات؟ تساؤلات حول قرار عدم احتساب الشهادات…

بقلم/ علي العزاوي

أثار قرار رئيس مجلس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، والذي ينص على عدم احتساب الشهادات العلمية لأغراض الإضافة أو التعديل الوظيفي جدلاً واسعاً في الأوساط الوظيفية كونه لا يؤثر فقط على الامتيازات الإدارية بل يمس شريحة كبيرة من موظفي الدولة الذين يواصلون تعليمهم الأكاديمي في مراحل مختلفة. سعياً لتطوير مسيرتهم المهنية وتحسين أوضاعهم المعيشية.

تكمن خطورة هذا القرار في تأثيره المباشر على الموظفين الدارسين في المراحل الجامعية المتقدمة وعلى الموظف البسيط الذي بدأ مسيرته الوظيفية بشهادة محدودة ثم قرر متابعة الدراسة أثناء الخدمة طامحاً إلى تعديل راتبه والترقي في السلم الوظيفي والانتقال من موقع إلى آخر أفضل داخل مؤسسات الدولة.

ولا يمكن القبول بتعميم فكرة مفادها أن كل من يسعى للحصول على شهادة علمية يفعل ذلك بدافع مادي بحت أو بهدف زيادة راتبه فقط فهناك شريحة واسعة من الموظفين تعتبر الشهادة وسيلة حقيقية للتطوير الذاتي ورفع مستوى الأداء وخدمة المؤسسة التي يعملون فيها وعلى الرغم وجود حالات تقصير أو استغلال لا يمكن إنكارها والعدالة تقتضي معالجة هذه الحالات دون مصادرة حق المجتهدين أو التقليل من دوافعهم المشروعة.

الموظفون الذين يواصلون تعليمهم رغم ضغوط العمل وقلة الدعم لا يمكن وضعهم في خانة واحدة مع من استغل الشهادة. فالتعميم في هذا الملف لا يضر بالأفراد فقط بل يقضي مبدأ التحفيز داخل المؤسسات ويكرّس ثقافة الإحباط بدل ثقافة التطوير.

ولا يمكن فصل هذا القرار عن تداعياته الاقتصادية والاجتماعية إذ أن تجميد احتساب الشهادات يؤدي إلى تجميد فرص تحسين الدخل وإغلاق أبواب التدرج الوظيفي وتحويل الوظيفة العامة إلى مسار جامد لا يعترف بتطور الفرد ولا يثمّن جهده العلمي وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الوظيفي ويزيد من إحباط الموظفين الذين يُفترض أن يكونوا ركائز للإصلاح الإداري.

لا يمكن إنكار أن ملف الشهادات يحتاج إلى تنظيم وضبط نظراً لما شابه من تجاوزات في مراحل سابقة إلا أن تعميم المعالجة بهذا الشكل يوقع ظلماً على الموظف المجتهد ويضعه في خانة واحدة مع من استغل الشهادة لأغراض شخصية أو غير مهنية فالإصلاح لا يتحقق بإغلاق الأبواب أمام الجميع بل بتمييز المستحق عن غيره ووضع معايير عادلة توازن بين الكفاءة والخبرة والتأهيل العلمي.

تجاهل الدور الحقيقي للتعليم الأكاديمي في بناء مؤسسات الدولة يفرغ أي مشروع إصلاحي من مضمونه. فالدول التي تسعى للنهوض لا تقلل من قيمة العلم ولا تحوله إلى عبء إداري بل تجعله جزءاً أساسياً من منظومة التقييم والتطوير والترقية.

ختاماً…. فإن قرار عدم احتساب الشهادات بصيغته الحالية لا يخدم مصلحة الموظف ولا مصلحة الدولة بل يهدد جوهر العدالة الوظيفية ويقلل من عزيمة شريحة واسعة من الدارسين داخل مؤسسات الدولة، وهو قرار يحتاج إلى مراجعة حقيقية تضمن محاسبة حالات الاستغلال دون أن تعاقب من اختار طريق التعليم وسيلة للتقدم.

إن إنصاف الموظف الدارس والاعتراف بتطوره العلمي ليس امتيازاً بل استثماراً في مستقبل الإدارة العراقية، وأي إصلاح لا ينطلق من دعم الإنسان وتطويره سيظل ناقصاً مهما حسنت النوايا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار