العراق بين منطق الدولة ومنطق الاصطفاف

بقلم رمضان البدران/..

لا تكمن أزمة العراق اليوم في تعثر السياسات اليومية أو سوء إدارة بعض الملفات، بل في خلل أعمق يمس جوهر فكرة الدولة ووظيفتها. فالنظام السياسي القائم بات يتعامل مع التحديات الوجودية بمنطق انتقائي، تتغير فيه الأولويات تبعًا لهوية الجهة المهدَّدة وموقعها السياسي أو الطائفي، لا وفق معيار وطني جامع يحمي الدولة ومجتمعها ككل.

السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه هو: كيف تتصرف الدولة العراقية عندما يواجه أحد مكوّنات المجتمع خطرًا وجوديًا؟ تجربة اجتياح تنظيم داعش تكشف بوضوح هذا الخلل، إذ لم يُنظر إلى التهديد بوصفه خطرًا وطنيًا شاملًا إلا بعد سقوط ما يقارب ثلث مساحة البلاد، ولم تتحول المواجهة إلى أولوية قصوى إلا عندما اقترب الخطر من بغداد وبعض المحافظات ذات الغالبية الشيعية.

هذا السلوك لا يمكن اعتباره خطأً ظرفيًا، بل تعبيرًا عن أزمة بنيوية في بنية النظام السياسي، حيث تُدار الأزمات بمنطق ردّ الفعل المتأخر. والمفارقة أن تاريخ العراق الحديث يقدّم نموذجًا مختلفًا؛ ففي الحرب العراقية–الإيرانية، اعتُبرت الفاو خط الدفاع الأول عن البصرة والعراق كله، دون تمييز طائفي أو مناطقي.

اليوم، يواجه العراق منعطفًا لا يقل خطورة، يتمثل في ملف الحشد الشعبي والفصائل المسلحة. فالدعوات إلى الحل أو إعادة الهيكلة، رغم مشروعيتها، قد تتحول إلى مصدر توتر إذا فُرضت خارج إطار وطني جامع، بما يهدد السلم الأهلي ووحدة الدولة.

كما أن الخلطة القائمة بين النفوذ المسلح والارتباط العقائدي والمصالح السياسية تفتح الباب أمام تحركات غير محسوبة، وتمنح قوى معطِّلة داخل البرلمان فرصة لفرض مسارات تتقاطع مع مصالح قوى إقليمية، وفي مقدمتها إيران، التي تسعى إلى منظومة سياسية منسجمة مع نموذجها.

إن العراق يقف اليوم أمام خيارين: إما استعادة منطق الدولة الوطنية الجامعة، أو الاستمرار في مسار الاصطفاف والانقسام، بما ينذر بمرحلة شديدة الخطورة على مستقبله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار