أسباب وتداعيات صعود الدولار مقابل الدينار

 

بقلم/ د. محمد الفخري 

يشكّل تذبذب سعر صرف الدولار مقابل الدينار العراقي في السوق الموازي حالة غير وقتية، وليست ظرفاً طارئاً، بل يُتوقع استمرارها، إذ يعكس هذا التذبذب اختلالاً هيكلياً واضحاً في النظامين النقدي والمالي في العراق، ناتجاً عن عوامل داخلية بنيوية، إلى جانب ضغوط خارجية متزايدة.

وتُعدّ الفجوة بين سعر صرف الدولار الرسمي وسعره في السوق الموازي التحدي الأبرز أمام الاقتصاد العراقي، وإحدى أكثر القضايا التي تشغل الرأي العام، نظراً لارتباطها المباشر بمعيشة المواطن وقدرته الشرائية، فضلاً عن انعكاساتها على استقرار الاقتصاد الوطني.

ويعود ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار في السوق الموازي بالأساس إلى تزايد حجم الطلب على العملة الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى تفاوت واضح بين السعرين الرسمي والموازي. ويُعزى هذا الارتفاع في الطلب إلى مجموعة من العوامل، من بينها اعتماد معايير الامتثال الدولية وتشديد الرقابة على نظام التحويلات المالية من قبل الاحتياطي الفدرالي الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية، لضمان عدم وصول الدولار إلى دول خاضعة لعقوبات اقتصادية.

وقد دفع ذلك العديد من التجار غير النظاميين إلى اللجوء للسوق الموازي للحصول على الدولار بهدف تغطية نشاطهم التجاري بعيداً عن المنصة الرسمية وضوابط وتعليمات البنك المركزي العراقي، ما أسهم في زيادة الطلب على الدولار وارتفاع سعره في السوق الموازي.

كما أسهم تهريب الدولار إلى خارج البلاد، من خلال إخراجه نقداً وبطرق غير قانونية عبر المنافذ الحدودية، في تقليص المعروض النقدي داخل الأسواق المحلية، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار.

إلى جانب ذلك، فإن الاعتماد المفرط على الاستيراد، في ظل ضعف الإنتاج المحلي الزراعي والصناعي، يجعل الطلب على الدولار مستمراً لتغطية احتياجات السوق من السلع الاستهلاكية المستوردة. ويضاف إلى ذلك نشاط المضاربات المالية في السوق الموازي، حيث يستغل بعض كبار الصرافين والمضاربين الأوضاع السياسية والاقتصادية التي يمر بها البلد لرفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار، تحقيقاً لمكاسب وأرباح سريعة.

أما تداعيات ارتفاع سعر صرف الدولار مقابل الدينار في السوق الموازي على المواطن والأسواق، فتتمثل بارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين، واتساع فجوة الفقر، إذ تُعدّ الفئات الهشة وذوو الدخل المحدود الأكثر تضرراً من هذه الارتفاعات.

كما ينعكس صعود سعر صرف الدولار في السوق الموازي سلباً على أداء الأسواق، التي تشهد في الغالب حالة من الركود وعدم الاستقرار، نتيجة تراجع القوة الشرائية وارتفاع كلف الاستيراد.

وفي ما يتعلق بالإجراءات المطلوبة من الحكومة والبنك المركزي العراقي، تبرز الحاجة إلى تبسيط إجراءات المنصة الإلكترونية وتقليل البيروقراطية، وتوفير تسهيلات ضريبية للتجار الذين يعتمدون القنوات الرسمية، إلى جانب تعزيز الدفع الإلكتروني والتحول الرقمي لتقليل الاعتماد على التعاملات النقدية.

كذلك، يقتضي الأمر إصلاح النظام المصرفي والمالي، وتشديد السيطرة على المنافذ الحدودية من خلال تفعيل الأتمتة، للحد من عمليات تهريب العملة، فضلاً عن ملاحقة شبكات المضاربة بالدولار في السوق الموازي.

وخلاصة القول، إن السعي نحو دينار عراقي قوي ومستقر مقابل الدولار يتطلب تنسيقاً حقيقياً بين السلطة النقدية المتمثلة بالبنك المركزي العراقي، والسلطة التنفيذية المتمثلة بالحكومة، من أجل بناء اقتصاد إنتاجي متنوع وقادر على مواجهة تقلبات سعر الصرف وتعزيز الاستقرار المالي والاقتصادي في البلاد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار