هل تسرق الريلز عقولنا؟
بقلم/ عبدالملك ايوب عواد
شهدت المنصّات الرقمية في السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا في طبيعة المحتوى المتداول؛ إذ تصدّر الفيديو القصير مشهد التفاعل اليومي، وأصبح جزءًا أساسيًا من الروتين المعرفي والترفيهي للأفراد. وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح في صعود تطبيقات مثل إنستغرام (Reels)، وتيك توك، ويوتيوب (Shorts)، التي لم تعد مجرّد وسائل ترفيه، بل تحوّلت إلى بيئة ثقافية جديدة تُعيد تشكيل علاقتنا بالمعرفة والانتباه.

ومن هنا يبرز تساؤل جوهري: هل تسرق الريلز عقولنا، أم أنها تعكس فقط إيقاع العصر الذي نعيشه؟
ولفهم هذا التحوّل بعمق أكبر، لا يمكن التعامل مع الفيديوهات القصيرة باعتبارها منتجًا تقنيًا فحسب، بل بوصفها ظاهرة ثقافية تعبّر عن زمن السرعة والاختزال؛ فهي تقوم على تقديم الفكرة في أقل وقت ممكن، مع الاعتماد على المؤثّرات البصرية والصوتية لجذب الانتباه سريعًا. ويعكس هذا النمط تحوّلًا في الذائقة العامة، إذ بات المتلقّي يفضّل المحتوى السريع على الخطاب المطوّل، حتى في القضايا الفكرية والمعرفية.
ولا يتوقّف الأمر عند حدود الشكل والمحتوى، بل يمتدّ إلى آليات العمل الخفيّة التي تحكم هذه المنصّات؛ إذ تعتمد منصّات الفيديو القصير على خوارزميات دقيقة تراقب سلوك المستخدم وتفضيلاته، وتُعيد إنتاج محتوى مُصمَّم خصيصًا لجذب انتباهه لأطول فترة ممكنة. وهذا التدفّق المستمر يولّد شعورًا بالإشباع اللحظي، ويحفّز مراكز المكافأة في الدماغ، مما يجعل التوقّف عن المشاهدة أمرًا صعبًا. ومع التكرار، يتحوّل التصفّح العابر إلى سلوك اعتيادي أقرب إلى الإدمان الرقمي.
ومع هذا النمط الاستهلاكي المتسارع تبدأ التأثيرات بالظهور على مستوى الانتباه الذهني. فقد أشارت العديد من النقاشات الفكرية، ومنها ما طُرح في بودكاست «هل تسرق الريلز عقولنا؟»، إلى أن التعرّض المكثّف للمحتوى القصير قد يؤدّي إلى تراجع القدرة على التركيز طويل الأمد. فالعقل الذي يعتاد الانتقال السريع بين مقاطع لا تتجاوز ثوانٍ قليلة، يصبح أقل صبرًا على النصوص الطويلة أو الأفكار المركّبة. ولا يعني ذلك ضعفًا في الذكاء، بقدر ما يعكس تغيّرًا في نمط الانتباه من العمق إلى التجزئة.
ولا ينعكس هذا التحوّل على التركيز وحده، بل يمتدّ ليطال طبيعة المعرفة ذاتها؛ إذ تكمن إحدى الإشكاليات الأساسية في أن كثيرًا من الفيديوهات القصيرة تُقدِّم المعلومة دون سياق كافٍ، أو تختزل قضايا معقّدة في عناوين جذّابة. ويسهم هذا النمط في تعزيز الاستهلاك المعرفي السطحي على حساب التحليل النقدي، ويُضعف القدرة على التمييز بين المعلومة الدقيقة والمحتوى المضلِّل، ولا سيّما في ظل سرعة التلقّي وغياب التأمّل.
وإذا كان الأثر المعرفي واضحًا فإن التأثير لا يتوقّف عند هذا الحد، بل يمتدّ إلى الجانب النفسي والاجتماعي؛ فالمقارنة المستمرّة، والسعي وراء التفاعل الرقمي، وتدفّق الصور المثالية، قد تؤدّي إلى مشاعر القلق وعدم الرضا. كما أن الانغماس الطويل في العالم الرقمي قد يُضعف جودة العلاقات الإنسانية، ويقلّل من الحضور الذهني في تفاصيل الحياة اليومية.
مع ذلك لا يمكن مقاربة هذه الظاهرة بمنطق الإدانة المطلقة؛ فمن الإنصاف القول إن الفيديوهات القصيرة ليست سلبية بطبيعتها، إذ قد تكون أداة تعليمية فعّالة، أو وسيلة لنشر المعرفة، أو مساحة للإبداع والتعبير. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب الوعي الرقمي، وفي الإفراط غير المنضبط في الاستهلاك، بحيث يصبح المحتوى السريع المصدر الوحيد للمعرفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة النظر في علاقتنا بالتكنولوجيا، عبر:
• تنظيم وقت استخدام المنصّات الرقمية
• الموازنة بين المحتوى السريع والمحتوى العميق
• العودة إلى القراءة، والاستماع الواعي، والتفكير الهادئ
فالتوازن وحده كفيل بالحفاظ على سلامة الانتباه وجودة الوعي.
وفي ضوء ما سبق يعود سؤال «هل تسرق الريلز عقولنا؟» ليؤكّد أنه لا يهدف إلى إدانة التكنولوجيا، بقدر ما يسعى إلى لفت الانتباه إلى كيفية استخدامها. فالفيديوهات القصيرة قد تتحوّل من أداة نافعة إلى عامل مُنهِك للعقل إذا غاب الوعي، ويبقى الرهان الحقيقي على قدرتنا على التفاعل مع العصر الرقمي دون أن نفقد عمقنا الإنساني والمعرفي.



