لماذا لا يعود المالكي… ولماذا لن يُسمح للسوداني أن يقوى؟

بقلم د. فاضل اليونس

لا يمكن قراءة اللقاء بين نوري المالكي ومحمد شياع السوداني بوصفه حدثاً سياسياً معزولاً أو محاولة جدية لتصفير الخلافات داخل البيت الشيعي، بل باعتباره حلقة جديدة في نمط متكرر من “التفاهمات المؤقتة” التي تفرضها بنية السلطة في العراق كلما احتدم الصراع على رئاسة الوزراء. فالسياسة العراقية لا تُدار بمنطق المصالح الوطنية أو البرامج الحكومية، بل وفق قواعد غير معلنة تحكم توزيع النفوذ السياسي و الاقتصادي.
من هذا المنظور يصبح لقاء المالكي والسوداني مدخلاً كاشفاً لصراع أعمق من مجرد خلاف شخصي: صراع على الزمن، وحدود السلطة، وسقف القوة المسموح به داخل منظومة سياسية تخشى أي مركز قرار مستقل.

المالكي والسوداني: صراع الزمن وحدود السلطة
يدرك نوري المالكي جيداً أن استمرار خروجه من رئاسة الوزراء لم يكن نهاية مرحلة فحسب، بل بداية صراع مباشر مع الزمن. فمع كل دورة سياسية، يتآكل نفوذه داخل مؤسسات الدولة، في واقع لم تعد فيه أدوات الحكم ولا موازين القوة تشبه تلك التي حكم في ظلها سابقاً. كما يعلم أن أي رئيس وزراء يشغل المنصب التنفيذي، بحكم الموقع لا النوايا، يعمل تدريجياً على تقويض نفوذ من سبقه، خصوصاً إذا طال أمد بقائه في الحكم.

ورغم ذلك، لا يزال المالكي يراهن على العودة، متجاهلاً أن إرثه السياسي ما زال مثقلاً في الوعي العام باتهامات الفساد، وهدر المال العام، والانهيار الأمني الذي مهّد لتمدّد التنظيمات الإرهابية. عملياً، لم تعد عودته إلى رئاسة الوزراء أكثر من فرضية مستهلكة؛ يُعاد اسمه تدويره داخل «الإطار التنسيقي» كورقة ضغط أو أداة تفاوض، لا كخيار واقعي للحكم. إنها معركة مع الزمن قبل أن تكون مع الخصوم، وزمنٌ لم يعد يعمل لصالحه.

في المقابل، تبدو حظوظ محمد شياع السوداني أكثر واقعية، لكنها تظل مشروطة ومقيّدة. فرصته لا تنبع من مشروع سياسي مستقل أو قاعدة جماهيرية صلبة، بل من شبكة تفاهمات دولية–إقليمية، وهو ما يفسّر مؤشرات الانفتاح الأميركي عليه، بما في ذلك الإشادات الصادرة عن المبعوث الأميركي مارك سافايا. غير أن هذا الانفتاح لا يعني تفويضاً مطلقاً، بل قبولاً حذراً لرجل يُنظر إليه كمدير توازنات، لا كصانع قرار مستقل.

الإطار التنسيقي: تعايش بلا ثقة
العقدة الحقيقية لا تكمن في المالكي أو السوداني، بل داخل «الإطار التنسيقي» نفسه. فغياب الثقة بين قادته يجعل اجتماعهم أقرب إلى تعايش اضطراري تحكمه المخاوف المتبادلة، لا شراكة سياسية قائمة على رؤية مشتركة. ولهذا، يحرص الإطار دائماً على ألا يمتلك أي رئيس وزراء كتلة نيابية وازنة أو قاعدة سياسية مستقلة.

المطلوب ليس رجل دولة، بل رئيس حكومة يلتزم بالتفاهمات، يحفظ التوازنات، ويعمل ضمن سقف مرسوم سلفاً. أي خروج عن هذا الدور يُعد تهديداً مباشراً لمنظومة النفوذ السياسي والاقتصادي التي تشكلت وترسخت على مدى سنوات.

لماذا لا يُسمح لرئيس الوزراء أن يقوى؟
لا يسمح الإطار بإطالة عمر أي رئيس وزراء في منصبه، لأن البقاء الطويل يعني تراكم النفوذ، وتعاظم السيطرة داخل مؤسسات الدولة، وتحول رئيس الحكومة تدريجياً إلى مركز قوة مستقل، وربما إلى رقم صعب لا يمكن تطويعه أو التحكم بقراراته. وهذا تحديداً ما يُنظر إليه كخطر وجودي على منظومة المصالح القائمة.

رئيس وزراء قوي قد يتحول لاحقاً إلى تهديد حقيقي لهذه المنظومة، وربما يذهب إلى تفكيكها أو إقصاء رموزها، وهو سيناريو غير مقبول لدى القوى المتحكمة بمفاصل القرار.

وبناءً على ذلك، فإن أي حكومة “متفاهمة” قد تتشكل لن تكون بالضرورة حكومة مشروع دولة أو أمن قومي عراقي، بل حكومة تسويات. تسويات هدفها الأساس إبقاء الجميع داخل السلطة، وحماية الشبكات الاقتصادية والسياسية التي راكمت نفوذها عبر الزمن. استقرار شكلي، مقابل دولة منزوعة السيادة والقرار.

الخلاصة
في العراق، ليست الأزمة في الأسماء بقدر ما هي في القاعدة التي تحكم اللعبة السياسية نفسها:
كل من يشتد عوده يُقصى، وكل من يحاول الاستقلال بقراره يُحاصر ويُفرَّغ من أدوات القوة.

ضمن هذه المعادلة، لا تبدو عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء ممكنة، كما لا يُسمح لمحمد شياع السوداني بتكريس ولاية ثانية ذات مضمون حقيقي. وحتى إن جرى تجديد ولايته، فسيكون ذلك مشروطاً بسلسلة إجراءات وضمانات تُبقيه دون مستوى القوة الذي يهدد التوازنات القائمة أو يخرج عن إرادة مراكز النفوذ.

الاستثناء الوحيد لتغيّر هذا المسار يكمن في تغيّر القواعد نفسها:
إمّا عبر تحوّل داخلي عميق يعيد تعريف مفهوم السلطة وطبيعة الحكم، ويكسر منطق ضبط القوة من داخل المنظومة،
أو بفعل تحوّلات إقليمية ودولية كبرى تفرض واقعاً سياسياً جديداً، وتعيد رسم حدود القرار وموازين القوة في العراق.

بقلم د. فاضل اليونس
باحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي،
متخصص في السياسة الأميركية وشؤون الشرق الأوسط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار