القضية الكردية في تركيا.. بين قفص الدولة العميقة وحلم الحرية

علي إبراهيم باخ – باحث و أكاديمي من محافظة دهوك
مع نهاية عام 2024، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن “مبادرة سلام جديدة” تجاه القضية الكوردية، في محاولة لإنهاء صراع دامٍ ومُكلف استمر لأكثر من أربعة عقود، مخلفاً عشرات الآلاف من الضحايا ودماراً واسعاً. لكن هذه الخطوة، كغيرها من المحاولات السابقة، تبدو حلقة جديدة في مسلسل طويل من الصراع بين الهوية الكوردية الصامدة او العنيدة والدولة التركية المركزية التي ورثت إرثاً قومياً إقصائياً منذ تأسيس الجمهورية على يد أتاتورك.
فلماذا فشلت كل الأنظمة التركية المتعاقبة (العسكرية، العلمانية، والإسلامية) في استيعاب المكون الكوردي او المكونات الأخرى الغير التركية ضمن نسيج الدولة والمجتمع؟ ولماذا تحولت تركيا تدريجياً من “حليف غربي موثوق” إلى “دولة يُشكك في توجهاتها وولاءاتها”؟
بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وتأسيس الجمهورية التركية عام 1923، تبنت تركيا الكمالية نموذجًا قوميًا يهدف إلى بناء أمة متجانسة، متأثرةً بالفكر المركزي الفرنسي وبعض تيارات القومية الأوروبية التي ركزت على الوحدة الثقافية واللغوية. رأى مؤسس الجمهورية، مصطفى كمال أتاتورك، أن التعددية التي ميزت الدولة العثمانية كانت سبباً في ضعفها وتأخرها. لذلك، اعتقد أن بناء الدولة الحديثة يقتضي محو الهويات الفرعية – وعلى رأسها الهوية الكوردية – وصهرها في هوية تركية خالصة.
وضع الفيلسوف التركي ضياء غوك ألب، الذي يُعتبر الأب الروحي للقومية التركية الحديثة، الأسس النظرية لهذا المشروع، داعياً إلى “تتريك اللسان والثقافة والتاريخ”، ومعتبراً أن التعددية الثقافية والعرقية تهدد الانسجام الوطني المنشود. كما كان للمفكر الفرنسي إرنست رينان تأثير غير مباشر عبر مقولته الشهيرة: “الأمة هي نسيان مشترك”، والتي فُسرت في السياق التركي على أنها دعوة لـ “نسيان” الهويات الكوردية والعربية والأرمنية وغيرها، لصالح هوية تركية جامعة تُبنى على أنقاض الماضي المتعدد.
تجلى هذا المشروع في سياسات قمعية ممنهجة، كحظر اللغة الكوردية. اذ مُنعت اللغة الكوردية في التعليم والإعلام والمجال العام و تغيير الأسماء و تم تغيير أسماء آلاف القرى والمدن الكوردية (مثل تحويل “آمد” التاريخية إلى “ديار بكر”). إضافة الى القمع العسكري، اذ شُنت حملات عسكرية عنيفة ضد أي تمرد أو مطالبة بالحقوق، وأبرزها المجازر التي وقعت في درسيم (1937)، حيث قُتل آلاف الكورد العلويين.
لم تكن هذه السياسات سوى محاولة لفرض “بوتقة صهر” (Melting Pot) قسرية لتحويل الكورد إلى أتراك ثقافياً وسياسياً. لكنها، بدلاً من تحقيق الاندماج، ولّدت شعوراً عميقاً بالظلم والمقاومة، والتي تطورت لاحقاً إلى تمرد مسلح واسع النطاق بقيادة حزب العمال الكوردستاني (PKK) منذ منتصف الثمانينيات.
رغم أن السياسات التركية تجاه الكورد كانت، في كثير من الأحيان، مخالفة للقوانين الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وحماية الأقليات والهوية الثقافية، إلا أن الدول الغربية اختارت لعقود طويلة الصمت – وفي بعض الأحيان، قدمت دعماً غير مباشر لأنقرة.
بنظري، يعود هذا الموقف لعدة أسباب، منها الحرب الباردة، اذ كان ينظر إلى تركيا كحائط صد استراتيجي ضد التوسع السوفيتي، مما أدى إلى ضمها لحلف الناتو عام 1952. و أي تهديد لاستقرار تركيا، حتى لو كان ناجماً عن مطالب كوردية مشروعة، كان يُعتبر تهديداً للمصالح الأمنية الغربية. إضافة الى المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، اذ ازدادت أهمية تركيا كممر حيوي للطاقة (الغاز والنفط)، وكشريك في إدارة تدفقات الهجرة واللاجئين.
غالبًا ما كان التعاون في هذه الملفات يأتي على حساب تجاهل ملف حقوق الإنسان و ضعف اللوبي الكوردي في مقابل اللوبيات التركية المنظمة والفعالة في العواصم الغربية، والتي صورت تركيا كنموذج “للاستقرار والحداثة” في منطقة مضطربة، كان الصوت الكوردي أقل تأثيراً وتنظيماً. و الأخطر الطابع اليساري للمقاومة الكوردية، اذ أن التوجهات الماركسية-اللينينية لحزب العمال الكوردستاني في بداياته، جعلت الحركة الكوردية المسلحة تبدو في نظر الغرب، خاصة خلال الحرب الباردة، كجزء من التهديد الشيوعي الأوسع، مما سهّل على أنقرة تبرير قمعها تحت شعار “الحرب على الإرهاب”.
يرى الباحث الأمريكي نوح فيلدمان أن “التحالف مع الأنظمة الاستبدادية القومية، رغم تناقضه الظاهري مع المبادئ الليبرالية الغربية، هو جزء أصيل من البراغماتية الغربية القديمة”. وينطبق هذا التحليل بشكل كبير على العلاقة مع تركيا. لم يكن صمت الغرب جهلاً أو تغافلاً، بل يمكن اعتباره تواطؤاً براغماتياً تحت شعار: “المصالح أولاً، والمبادئ قد تنتظر”. بل إن هذا الصمت ترافق أحياناً مع قبول ضمني لفكرة أن صهر الهويات هو طريق حتمي لبناء دول قوية ومستقرة، مما وفر غطاءً أخلاقياً غير مباشر لسياسات الطمس الثقافي.
عندما صعد حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان إلى السلطة عام 2002، أثار آمالاً بالتغيير. قدم الحزب نفسه كمصلح يسعى لتجاوز إرث الدولة الكمالية الصارم. وشهدت السنوات الأولى بعض الخطوات الإيجابية، مثل السماح بإنشاء قنوات تلفزيونية ناطقة بالكوردية، أبرزها TRT Kurdî الحكومية. و إطلاق عملية تفاوض سرية مع زعيم حزب العمال الكوردستاني المسجون، عبد الله أوجلان، بين عامي 2013 و2015، بهدف التوصل إلى حل سلمي. لكن هذا الانفتاح كان هشاً ولم يدم طويلاً. فبحلول منتصف عام 2015 وبشكل متصاعد في 2016، عادت تركيا إلى سياسات القمع العنيف، مدفوعة بعوامل سياسية وأمنية معقدة، منها فشل عملية السلام، وصعود حزب الشعوب الديمقراطي الكوردي في الانتخابات، وتجدد المواجهات المسلحة. شهدت مدن كوردية مثل سور (في ديار بكر) ونصيبين وجزرة دماراً هائلاً جراء العمليات العسكرية تحت ذريعة “محاربة الإرهاب”.
تحالف أردوغان بشكل وثيق مع القوميين المتطرفين، بقيادة دولت بهتشلي، لضمان الأغلبية السياسية وتعزيز الخطاب القومي، وهو ما يُفسر أحياناً بأنه محاولة لاسترضاء “الدولة العميقة” ومؤسساتها الأمنية والعسكرية. حتى “مبادرة السلام” التي أُعلن عنها في نهاية 2024، جاءت محملة بشروط اعتبرها الكثيرون مجحفة، مثل رفض الاعتراف الدستوري بالهوية واللغة الكوردية كحقوق جماعية، واستمرار الملاحقات القضائية ضد النشطاء والسياسيين الكورد الى ان تمرد الحزب المعارض الأكبر الحزب الجمهوري و بالتالي تغيرت بوصلة الدولة التركية قليلا باتجاه الخصوم السياسين الاتراك.
تحول الموقف الغربي من التجاهل إلى استخدام الورقة الكوردية إذا كان الغرب قد تجاهل القضية الكوردية لعقود، فإن العقد الأخير شهد تحولاً ملحوظاً في موقفه. هذا التحول لا يعود بالضرورة إلى صحوة أخلاقية مفاجئة، بقدر ما يعكس تغيرات جيوسياسية عميقة، مثل تغير سلوك تركيا، اذ لم تعد تركيا تحت حكم أردوغان “الحليف المطيع” للغرب و تقاربها مع روسي بما في ذلك شراء منظومة الصواريخ S-400)، وتحديها للمصالح الغربية في شرق المتوسط وليبيا، وسياستها الخارجية الأكثر استقلالية وحزماً، جعلتها شريكاً أقل موثوقية وأحياناً مصدراً للقلق.
في المقابل بروز الكورد كفاعل إقليمي، اذ أصبح الكورد “شركاء مفيدين” للغرب في ساحات أخرى. في سوريا، شكلت وحدات حماية الشعب الكوردية (YPG)، العمود الفقري لـقوات سوريا الديمقراطية (قسد) المدعومة أمريكياً في الحرب ضد تنظيم داعش. وفي العراق، يتمتع إقليم كوردستان بعلاقات قوية مع الغرب كشريك سياسي واقتصادي.
دون ان ننسى مساهمات المنظمات الحقوقية الدولية، مثل “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، في فضح الانتهاكات التركية بحق الكورد بشكل مستمر، مما زاد الضغط على الحكومات الغربية وجعل دعم القضية الكوردية أو انتقاد تركيا “ورقة ضغط” يمكن استخدامها في العلاقات الثنائية. يضاف إلى ذلك، أن التوترات في علاقات تركيا مع روسيا، خاصة بعد التحولات الإقليمية مثل التغيرات في سوريا، قد تزيد من تعقيد موقفها الجيوسياسي.
كما أن تأكيد حكومة أردوغان المتزايد على الهوية الإسلامية، بالتوازي مع سياساتها الخارجية الحازمة، يثير قلق بعض الدوائر الغربية ويُستحضر أحياناً مقارنات تاريخية مع الإمبراطورية العثمانية، مما يساهم في تصوير تركيا كقوة يصعب التنبؤ بها أو حتى كمصدر قلق استراتيجي، بدلاً من كونها حليفًا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل.
يبدو مستقبل القضية الكوردية في تركيا مفتوحاً على سيناريوهين رئيسيين: السيناريو المتفائل (نسبيًا): يعتمد على إمكانية التوصل إلى تسوية سياسية مستوحاة من نماذج دول أخرى تعاملت مع قضايا الأقليات القومية، مثل نموذج إسبانيا وإقليم الباسك أو المملكة المتحدة واسكتلندا. يتضمن هذا السيناريو منح الكورد حكماً ذاتياً ثقافياً وسياسياً موسعاً ضمن إطار الدولة التركية الموحدة، مع اعتراف دستوري بالهوية والحقوق الكوردية، و بنظري هذا السيناريو هو الأقرب نظرا لتحول القضية الكوردية من قضية مكوناتية داخلية الى قضية إقليمية شرق أوسطية.
السيناريو المتشائم: ينذر بعودة الصراع المسلح واسع النطاق، وربما الانزلاق نحو حرب أهلية، خاصة مع استمرار تصاعد الخطاب القومي المتطرف في تركيا، وتدهور الأوضاع الاقتصادية التي قد تغذي النزعات الشوفينية. في هذه الحالة، قد تجد تركيا نفسها في عزلة دولية متزايدة، وتُدان من المجتمع الدولي، وتفقد الكثير من نفوذها الإقليمي والدولي.
اخيرا، تركيا قد خسرت الكثير على الصعيد الخارجي و ها هي تخسر و تنزف داخليا و يبدو ان اردوغان سيستخدم الورقة الكوردية لكي يعوض البعض من الخسارتين.