المحامون ظاهرة صوتية!

بقلم/ علي عظيم – كاتب ومحام
لعلّي لا أجافي الواقع وأصيب قلب الحقيقة عندما أقول إن أغلب المحامين مجرد ظاهرة صوتية، صفات مفرغة، وعناوين بلا مضمون، شأنهم شأن الأغلبية السحيقة التي تدب على هذه الأرض، الأرض التي تغصّ بالشكلية، بالدوال التي لا تدلّ على المدلول، وبالصفات التي لا تصف الموصوف. إنّ معظم المحامين ليسوا بمحامين! بل هم مجرد حاملي صفة، ولي على ذلك شواهد وأدلة لا تعتدّ بها نقابة المحامين لإسقاط تلك الصفة عنهم!
محامٍ لا يجيد حتى كتابة صفته على صفحاته في مواقع التواصل الاجتماعي، فيكتب: “محامي فلان الفلاني” ليبني الصفة للمجهول، ولعلّ هذا الخطأ هو أصوب الأخطاء التي يقترفها؛ فهو معلوم، والصفة تصف مجهولًا! وهذا خطأ أصاب قلب الحقيقة، فواقعًا، هو ليس بمحامٍ، بل بعيد كل البعد عن هذه الصفة، أما من ناحية العلمية أو الذهنية القانونية، فحدّث ولا حرج! ولو أردت الاستفاضة في هذه الموضوعة لطال المقال، لذا سأختصرها بجملة واحدة: “أغلب المحامين يجهلون القانون!” هم لا يعرفون سوى ما جرى التعامل به، حتى لو كان عرفًا مخالفًا للتشريع، ومع ذلك يعملون به! وهذه كارثة كبرى ومصيبة عظيمة، فمن يحرص على تطبيق القانون إذا كان المحامي يجهله أو يتجاوزه؟!
نعم، أنا آخذ بعين الاعتبار التحديات التي تواجه المحامي، بدءًا من المساومات الرخيصة، وليس انتهاءً بالندية التي يختلقها موظفو مؤسسات الدولة، لكن هذه التحديات يجب أن تدعونا لمواجهتها بالتحصّن بالمعرفة، والاستعانة بالكلمات للدفاع عن أنفسنا وعن مهنتنا العظيمة أولًا، وعن موكلينا ثانيًا. فالمعرفة سلاح، والجهل مقبرة تبتلع الحقوق.
والشيء الذي لا يمكن أغفاله، أن شفاه معظم حاملي هذه الصفة “المحامي” لا تعرف لفظ “شكرًا” أو “آسف” أو “لو سمحت” أو أي كلمةٍ أخرى لبقة، والحقيقة أني أعذرهم، فهم أبناء هذا المجتمع بموروثه وممارساته العنيفة، حيث إن الفرد يصارع نفسه ليلفظ كلمة لطيفة إن كانت له نية التلطف طبعاً، مع ذلك أعتقد أن هذه المهارات من أساسيات مهنة المحاماة، بل من أساسيات الفرد السوي.
لم يستطع أغلب حاملي هذه الصفة الوقاية من الأمراض الاجتماعية، أو ما يسمى بالتخلّف الاجتماعي، وللدكتور مصطفى حجازي تحليل يختصر الكثير تحدث عنه في كتابه “التخلف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”، والذي يقول فيه أن التخلّف الاجتماعي يكمن في رغبة الفرد في ممارسة السلطة، والزملاء المحامون الكرام يعانون من هذا المرض للأسف، ولهم في ذلك أسباب؛ منها ما يتعلق بالجنس اللطيف، وآخر باصطياد الموكلين! فهم يعانون من النقص النفسي، وذواتهم مشروخة. جميعهم يحلمون “وأنا معهم” بسيارةٍ رباعية الدفع “تاهو”، وبمسدس يملأ الخصر المتين، لتكتمل أدوات صيد النساء والموكلين!، لكن، وكما ذكرت، هم يسايرون الواقع، فمقياس التميز في هذا الزمن يتمحور حول ما يملكه الإنسان، وليس ما يعرفه؛ فقد ولّى زمن المعرفة واندثر! وإذا أنكرت هذه الحقيقة، فسيسخر مني الواقع ويغمرني الوهم بغشائه.
وبما أنني فتحت النار، فلا بد من تشخيص أهم الأخطاء والمشكلات التي أعتقد أنها تفتك بالمهنة.
في كل مرةٍ أشعر بالسوء عندما أدخل غرفة المحامين. كنت أعتقد أن هذه المجالس مدرسة كبيرة وواسعة، تُثري مريديها، وتروي عطش الأسئلة، بل وتثير لهم أسئلة جديدة، تزيد من تعطّشهم للمعرفة، لكن الواقع مختلف تمامًا، غرفة المحامين أقرب إلى أي شيء غير غرفة محامين!، إنها أشبه بمقهى شعبي، سوق، جلسة عشائرية. تجدهم يتحدثون عن كل شيء، سعر الطماطم، مشاهير “التيك توك”، المشكلات الزوجية، القصص العاطفية، وحتى عن الطبخ ومنال العالم “الله يذكرها بالخير”، لكن الحديث عن القانون وكيفية تطبيقه بصورة صحيحة نادر، بل استثناءً، بعد جلوسي في الغرفة مرتين أو ثلاث مرات وشاهدتُ ما شاهدته، أخذت عهدًا على نفسي ألا أدخلها ثانيةً، إلا إذا أردت التبول أو شراء الشاي؛ لأنها مقهى بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
أخيرًا، أرجو ألا يتم شخصنة المقال، أنا لا أقصد شخصًا بعينه، ولست ناقمًا على أحد، أو على هذه المهنة العظيمة، بل إن قلبي يغلي عليها، ورغبتي عارمة لرؤيتها في موضعها الذي تستحقه، فهي لا يليق بها سوى القمة، فإن أنزلنا المحاماة من عليائها، تحوّلت إلى مهنة أخرى، أي مهنة سوى المحاماة، وأنا أشخّص مكامن الضعف والخطأ، وقد أسيء التقدير، لذا أدعو إلى تصحيحي إن أخطأت، والردّ عليّ إن ظلمت، كما إنني أبحث عن الإصلاح، ولعلّي أجد السبيل أو غيري يجده، فأكون من الفرحين المستبشرين بالنهوض بهذه المهنة، تحقيقًا للعدل، وإحقاقًا للحق، وإنكارًا للباطل والفساد، فعندما تُصلح أجنحة العدالة، يحلّق العدل بالناس نحو الرفاهية والكرامة والعزة التي ينشدون، وعندما يعلو صوت القانون، تسكت الأصوات النشاز.