جريدة |..
حذّر رئيس المركز العربي للدراسات، أحمد الياسري، من تداعيات القرارات الاقتصادية لحكومة علي الزيدي، معتبراً أن الارتباك في إدارة الملف الاقتصادي، ولا سيما قرار رفع سعر صرف الدولار والاتجاه لاحقاً إلى الاقتراض الخارجي، قد يضعف الثقة بالسياسات الحكومية ويزيد احتمالات عودة الاحتجاجات الشعبية، في ظل تحديات اقتصادية متصاعدة وضغوط إقليمية ودولية.
وقال الياسري في تصريح خص به “جريدة“، إن الإطار التنسيقي جاء بالزيدي في مرحلة يدرك فيها أن العراق مقبل على تحديات اقتصادية كبيرة، بالتزامن مع اضطراب الأوضاع الإقليمية واستمرار الحرب ومخاطر تعطل الملاحة في مضيق هرمز، وما يمكن أن يترتب على ذلك من انعكاسات على صادرات النفط والإيرادات العامة.
وأضاف أن أول اختبار اقتصادي واجه حكومة الزيدي تمثل في ملف سعر الصرف، الذي وصف إدارته بالخطأ الاقتصادي الكبير، مشيراً إلى أن مسؤولية قرار رفع سعر الصرف تعود إلى الإطار التنسيقي والحكومة التي تبنته، وليس إلى الزيدي وحده، مستشهداً بتصريحات سابقة لرئيس الوزراء بشأن تحمّل مسؤولية القرار بهدف تجنب الاقتراض الخارجي.
وتساءل الياسري عن جدوى هذا التوجه في ظل اللجوء لاحقاً إلى طلب التمويل الخارجي، بما في ذلك التحرك باتجاه صندوق النقد الدولي، معتبراً أن هذا التناقض يعكس، بحسب رأيه، تخبطاً في صناعة القرار الاقتصادي وغياباً للوضوح في تحديد الأولويات المالية للدولة.
وأوضح أن المشكلة لا تتعلق بسعر الصرف وحده، بل بالتداعيات التي خلّفها على العلاقة بين القطاعين العام والخاص، وعلى ثقة المواطنين بالعملة المحلية، لافتاً إلى أن تراجع الثقة بالدينار يدفع بعض المواطنين إلى التحوط بشراء الدولار للحفاظ على قيمة مدخراتهم، الأمر الذي قد يزيد الضغوط على السوق الموازية.
وأشار إلى أن القطاع الخاص العراقي يؤدي دوراً مهماً في النشاط الاقتصادي والاستيراد، مستشهداً بحجم الاستيرادات خلال جائحة كورونا، التي قال إنها بلغت نحو 68 ملياراً، من دون أن يحدد العملة أو الفترة الزمنية بدقة، محذراً من أن اضطراب السياسات النقدية والمالية قد ينعكس على قدرة القطاع الخاص على التخطيط والاستمرار.
وربط الياسري بين الاستقرار الاقتصادي والاستقرار السياسي، مؤكداً أن تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة وتفاقم الأعباء على المواطنين يمكن أن تتحول إلى دوافع مباشرة للاحتجاجات، بصرف النظر عن العناوين السياسية التي قد تتخذها هذه التحركات.
ولفت إلى أن التجربة العراقية، منذ العهد الملكي وصولاً إلى المراحل السياسية اللاحقة، تُظهر أن العوامل الاقتصادية كانت حاضرة بقوة في تحريك الشارع، مستشهداً بالاحتجاجات التي شهدتها البلاد في مراحل مختلفة، ومنها الاحتجاجات خلال فترة حكومة عادل عبد المهدي، التي تزامنت مع ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية.
وأضاف أن الاحتجاجات لا تحتاج بالضرورة إلى عنوان سياسي مسبق كي تنطلق، إذ يمكن أن تتشكل نتيجة تراكم المظالم الاقتصادية، قبل أن تتبلور مطالبها أو تحاول قوى سياسية احتواءها وتوجيهها. ورأى أن تجربة احتجاجات عام 2020 ومحاولات احتواء الحراك الشعبي تقدم مثالاً على ذلك، محذراً من أن اتساع رقعة المتضررين قد يحدّ من قدرة أي جهة على السيطرة على مسار الاحتجاجات.
وفي قراءته للمرحلة المقبلة، رجّح الياسري تصاعد الضغوط الشعبية خلال الفترة المقبلة، مع احتمال اتساع دائرة المتضررين لتشمل شرائح تعتمد على التوظيف الحكومي، إلى جانب القطاعات المرتبطة بأسعار الوقود والكهرباء والمولدات والنقل، فضلاً عن انعكاسات أي إجراءات مالية أو تقشفية على مستوى الخدمات وتكاليف المعيشة.
وأشار إلى أن أي تراجع في الإيرادات النفطية أو ضغوط تدفع الحكومة إلى تقليص الإنفاق أو مراجعة الدعم والتعيينات قد يفاقم حالة الاحتقان، كما قد ينعكس على العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، خصوصاً إذا تجددت الخلافات بشأن الرواتب والمستحقات المالية.
وأكد أن العراق ليس بمعزل عن الأزمة الاقتصادية العالمية، في ظل تأثر دول غنية بتداعيات الحروب واضطرابات الطاقة والتجارة، لكنه شدد على أن خصوصية الوضع العراقي تكمن في اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية، وما يترتب على ذلك من حساسية عالية تجاه تقلبات الأسعار والصادرات.
وحذّر الياسري من أن اللجوء إلى الاقتراض الخارجي، في ظل استمرار الاختلالات الاقتصادية وعدم وضوح المعالجات، قد يضيف أعباء جديدة على الحكومة ويقلّص قدرتها على المناورة، معتبراً أن استمرار هذا النهج قد ينعكس سلباً على عمر حكومة الزيدي سياسياً.
وختم بالقول إن تجنب موجة احتجاجات جديدة يتطلب من الحكومة بناء حالة من الاستقرار الاقتصادي، عبر قرارات واضحة ومتسقة، وتعزيز الثقة بالعملة المحلية، ومعالجة آثار السياسات المالية والنقدية على المواطنين والقطاع الخاص، مؤكداً أن الاستقرار السياسي في العراق يصعب تحقيقه بمعزل عن الاستقرار الاقتصادي