بقلم / حازم الاسدي

لم يعد الحديث عن تخفيض قيمة الدينار مجرد تسريبات أو توقعات
منذ اليوم أصبح العراق أمام سعر صرف جديد: 1500 دينار للدولار الذي تشتريه وزارة المالية، و1520 دينارا للمستفيد النهائي،وهنا يجب ألا ننشغل بالرقم وحده، بل بالسؤال الأهم:
لماذا احتاجت الدولة إلى تخفيض قيمة عملتها الآن؟
ما أراه هو أن المسألة أبعد من سوق الدولار، وأقرب إلى أزمة المالية العامة
فالعراق يبيع نفطه بالدولار، بينما يدفع معظم نفقاته بالدينار،ولذلك فإن رفع سعر الدولار من نحو 1300 إلى 1500 دينار يعني ببساطة أن كل دولار نفطي يدخل إلى الخزينة ينتج كمية أكبر من الدنانير
فلو دخلت إلى وزارة المالية مثلا 100 مليار دولار سنويا، فإن تحويلها عند 1300 دينار يعطي نحو 130 تريليون دينار، بينما تحويلها عند 1500 يعطي نحو 150 تريليون دينار
نحن نتحدث نظريا عن فارق يصل إلى 20 تريليون دينار من دون بيع برميل نفط إضافي واحد
وهنا تكمن “عبقرية”القرار محاسبيا و “غبائه” اقتصاديا في الوقت نفسه،فالدولة حصلت على دنانير أكثر، لكن الاقتصاد لم ينتج ثروة إضافية، ولم يرتفع الانتاج الصناعي،لم تتحسن الجمارك،ولم تتوسع القاعدة الضريبية،لم تتوقف خسائر الشركات العامة،ولم تنخفض كلفة الدولة
ان الذي تغير ببساطة هو قيمة الدينار
وبذلك تستطيع الحكومة أن تمول جزءا أكبر من رواتبها ونفقاتها بالدينار مقابل الإيراد النفطي الدولاري نفسه
لكن من أين جاءت هذه الزيادة الحقيقية؟
ان جزء مهم منها سيظهر تدريجيا في القوة الشرائية للمواطن،فالعراق بلد يستورد نسبة كبيرة من احتياجاته، من الغذاء والدواء إلى المواد الإنشائية والمعدات ومدخلات الانتاج،وكل انخفاض في قيمة الدينار يعني أن المستورد يحتاج دنانير أكثر لشراء الدولار، ثم تنتقل الزيادة عبر سلسلة الأسعار حتى تصل إلى المواطن،ولهذا فالموضوع ليس مجرد تغيير رقم من 1320 إلى 1520
فالموظف الذي كان راتبه مليون دينار لم يصبح راتبه مليون ومئة وخمسين ألفا بعد القرار و انما راتبه بقي كما هو،لكن الدولار أصبح أغلى بنحو 15%
وهذا يعني أن جزءا من القوة الشرائية لذلك الراتب قد بدأ بالتآكل، خصوصا في السلع المرتبطة بالاستيراد
(والحمد لله كل سلعنا استيراد حتى اكياس القمامة)
صح ان تخفيض العملة يمكن أن يقلل الضغط على الموازنة، لكنه لا يعالج سبب العجز، وانما هو يعالج دفتر الحسابات قبل أن يعالج الاقتصاد، وهذا فيه فرق كبير بين الاثنين
المشكلة الحقيقية هي أن الاقتصاد العراقي ما زال قائما على معادلة خطرة: الدولة تنتظر الدولار من النفط ثم توزعه على اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، وعندما تنخفض الإيرادات أو ترتفع النفقات نعود إلى المواطن ونقول له: ( تره المشكلة بسعر الصرف) و مرة نرفع عليه الضرائب، ومرة الرسومو مرة أسعار الوقود،ومرة نخفض قيمة العملة، وكأن الحلقة الأسهل دائما هي الحلقة الأضعف، والحلول كلها “بجيب الفقير”
زين السؤال هل كان اكو بدائل ؟
اي نعم، ولكن البدائل أصعب سياسيا من تغيير سعر الصرف، والإصلاح الحقيقي يبدأ من الانفاق وليس من الدينار
(يعني مو تزيد الانفاق بالمناصب الجديدة و التعيينات)
بجدية كبيرة العراق يحتاج مراجعة لعشرات الآلاف من أبواب الانفاق الحكومي، وليس فقط رواتب الموظفين كما يحاول البعض اختصار القضية بها، فلدينا شركات عامة تستنزف الخزينة، ولدينا دعم غير موجه يصل إلى من يحتاج ومن لا يحتاج، ولدينا قطاع كهرباء ينفق عليه العراق مليارات الدولارات سنويا بينما التحصيل أقل بكثير من الكلفة الحقيقية،ولدينا منافذ حدودية وجمارك وضرائب وعقارات دولة وقطاعات اقتصادية تستطيع أن تولد إيرادات بعشرات التريليونات لو أديرت بصورة مختلفة، ولدينا قبل كل ذلك اقتصاد غير نفطي لم يتحول حتى الآن إلى شريك حقيقي في تمويل الدولة،هذه هي المشكلة وليس سعر الدولار
وحتى صندوق النقد الدولي، عندما ناقش الاختلالات المالية في العراق، ركز على ضبط فاتورة الانفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية وإصلاح المالية العامة، وليس على اعتبار تخفيض العملة حلا دائما للعجز
والغريب أن البنك المركزي كان قد أكد قبل أسابيع فقط أن احتياطياته الأجنبية كافية لتلبية الطلب على العملة الأجنبية وتمويل التجارة الخارجية، وأن ارتفاع السوق كان مرتبطا بالمضاربات والتوقعات وليس بنقص الدولار، ولهذا فإن القرار الحالي يحتاج إلى تفسير مالي واضح، و اجابة السؤال:
هل الهدف هو معالجة سوق الصرف؟
أم زيادة الإيرادات الدينارية للخزينة؟
أم الاثنان معا؟ لأن الإجابة هنا مهمة جدا

فإذا كان الهدف هو تمويل فجوة الموازنة، فنحن أمام سياسة مختلفة تماما: الدولة لم تعالج العجز، وإنما أعادت توزيع كلفته(وحملته للمواطن الفقير)
و هنا المشكلة و منتهى القهر أن تخفيض قيمة الدينار سهل جدا قرار واحد يكفي،
أما إصلاح الكهرباء والجمارك والشركات العامة والرواتب الوهمية والتهرب الضريبي والهدر والفساد وإعادة هيكلة الانفاق، فهذا يحتاج دولة مستعدة لمواجهة مصالح كبيرة تكونت خلال عشرين سنة
ما أراه هو أن العراق لا يحتاج إلى دينار أضعف حتى يستطيع تمويل دولة أكبر، بل يحتاج إلى دولة أكثر كفاءة حتى لا يضطر كل عدة سنوات إلى إضعاف الدينار لتمويلها،
وإذا بقيت بنية الانفاق كما هي، فإن 1500 لن يكون نهاية المشكلة،لأن الدولة التي تعالج عجزها بسعر الصرف تستطيع أن تكرر العلاج كلما عاد العجز( يعني اذا ضل الوضع هذا يمكن يوصل الدولا الواحد2000 دينار)
وعندها لا نكون قد أصلحنا الموازنةو انما خلينا المواطن الفقير يمولها من من لگمته و لگمة عائلته .

د. حازم الأسدي
الباحث في الاقتصاد السياسي