جريدة |..
مع اقتراب الموعد المقرر لخروج قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة من العراق، تعود إلى الواجهة تصريحات سابقة لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، حملت انتقادات واضحة لطبيعة إدارة السلطة في بغداد، ودور الإطار التنسيقي في صناعة القرار السياسي.
وفي حواره مع هشام علي تابعته “جريدة“، قال بارزاني إن رؤساء الوزراء العراقيين «مسلوبي الإرادة إلى حد ما»، معتبراً أن «الإطار التنسيقي هو من يحكم الآن» كما رأى أن غياب التيار الصدري والحزب الديمقراطي الكردستاني «يجعل حكم العراق مشلولاً».
وفي جانب آخر من حديثه، استعاد بارزاني ما وصفه بـ«المؤامرة القذرة» التي تعرض لها الحزب الديمقراطي الكردستاني، مشيراً إلى أن الحزب قرر المشاركة في الحكومة استناداً إلى اتفاق سياسي موقع بين إقليم كردستان، ممثلاً برئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، والإطار التنسيقي، ممثلاً بهادي العامري.
وأكد بارزاني أن استمرار مشاركة الحزب في الحكومة مرتبط بالالتزام بالاتفاق، قائلاً إن عدم الالتزام به سيقود إلى الانسحاب، كما أشار إلى أن من تآمروا على الحزب، وفق روايته، كانوا من «بعض الأطراف في الإطار» ومن «بعض السنة».
وتكتسب إعادة استحضار هذه التصريحات أهمية سياسية في هذا التوقيت تحديداً، إذ يأتي العراق على أعتاب مرحلة جديدة مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب القوات الأميركية، وسط نقاش متصاعد حول شكل الترتيبات الأمنية والسياسية التي ستلي خروج القوات الأجنبية.
وتزامن ذلك مع تصاعد المخاوف في إقليم كردستان من أن يؤدي الانسحاب إلى تراجع مستوى الحماية الأمنية، خصوصاً في مواجهة الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ. وكان رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني قد حذر في تصريحات حديثة من ترك الإقليم دون غطاء دفاعي، فيما تحدثت تقارير عن مخاوف كردية من «فراغ أمني» بعد انسحاب التحالف.
كما أن انتهاء المساعدات المالية للتحالف الدولي لقوات البيشمركة في أيلول الجاري يضيف بعداً آخر إلى مرحلة ما بعد الانسحاب، إذ أعلنت وزارة البيشمركة أن الدفعة الأخيرة من المساعدات انتهت وفق مذكرة التفاهم الموقعة مع التحالف، مع مطالبة بغداد بتعويض هذه المساعدات. (الجزيرة نت)
ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة استحضار بارزاني لملفات «المؤامرة» والخلافات مع قوى سياسية في بغداد باعتباره جزءاً من سياق أوسع يتعلق بموقع إقليم كردستان داخل المعادلة العراقية المقبلة، وليس مجرد عودة إلى خلافات سياسية سابقة.
فالحديث عن اتفاقات بين أربيل والقوى الشيعية، والتهديد بالانسحاب من الحكومة في حال عدم الالتزام، يتقاطع مع سؤال أكبر يفرض نفسه مع خروج القوات الأجنبية: كيف ستُدار موازين القوة داخل العراق، وما الضمانات التي ستحصل عليها أربيل في مرحلة ما بعد الوجود الأميركي؟
وتزداد حساسية هذا السؤال في ظل استمرار الخلافات بين بغداد وأربيل حول ملفات الأمن، والبيشمركة، والإيرادات، والصلاحيات الاتحادية، بالتزامن مع الجدل حول السلاح خارج مؤسسات الدولة ودور الفصائل المسلحة.
وبذلك، تبدو تصريحات بارزاني، في توقيتها الحالي، وكأنها تعيد وضع العلاقة بين أربيل وبغداد في إطار أوسع: اتفاقات سياسية مقابل ضمانات، وشراكة حكومية مقابل التزام، وقلق كردي من أن يؤدي تغير المعادلة الأمنية بعد الانسحاب الأميركي إلى إعادة ترتيب موازين القوى داخل العراق.
وفي المقابل، فإن توصيف بارزاني لما جرى بأنه «مؤامرة قذرة» يمثل رواية سياسية من جانبه، ولا يعني بالضرورة وجود توافق بين جميع الأطراف العراقية على هذا التوصيف؛ إلا أن إعادة طرحه الآن تمنح التصريحات دلالة سياسية إضافية، خصوصاً في ظل المرحلة الحساسة التي يدخلها العراق مع اقتراب نهاية الوجود العسكري للتحالف الدولي.