بقلم/ بركات

يتفق كثير من العراقيين على أن القضاء العراقي يمثل اليوم صمام أمان للعراقيين، بل إنه صمام الأمان المؤسسي الدائم للدولة، فالقضاء ليس حالةً مؤقتة، ولا يرتبط بشخص أو حكومة أو مرحلة سياسية، وإنما هو اهم مؤسسة من مؤسسات الدولة، يستمر بوجودها ويؤدي دوره في ظلها.

ولطالما اعتبر العراقيون المرجعية الدينية في النجف الأشرف، متمثلةً بالسيد السيستاني، صمام أمان روحيًا وأخلاقيًا للبلاد، لما تمثله من مكانة دينية ووطنية، ولما كان لها من مواقف في اللحظات المفصلية التي مر بها العراق.

لكن المرجعية، منذ سنوات، ابتعدت عن الدخول المباشر في تفاصيل العملية السياسية، وأغلقت أبوابها أمام معظم السياسيين، وكأنها أرادت أن تقول للجميع: لقد أدّت المرجعية ما عليها، وحان الوقت لكي تؤدي مؤسسات الدولة ما عليها.

فالمرجعية، لم تكن تريد أن تكون بديل عن الدولة، ولا أن تبقى أبوابها هي الملجأ الدائم لحل كل أزمة سياسية أو إدارية، بل كانت رسالتها الأعمق هي أن تكون هناك دولة قادرة، ومؤسسات تقوم بواجباتها، وقانون يُحتكم إليه.

لكن ابتعاد المرجعية الدينية اليوم، ليس فقط هو بسبب امتعاضها من الساسة ، او بسبب إيكال المهمة للدولة لتقوم بواجباتها وفي مقدمتها القضاء ، لكن ايضاً ان المرجعية ممتعضة حتى من اختيارات الناس عندما تأتي هذه الاختيارات خاطئة لبعض النواب والمسؤولين الفاسدين او الفاشلين !

ومن هنا يمكن أن نفهم أهمية احكام القضاء اليوم ، فالقضاء اليوم عندما يصدر أحكامه وفق القانون، اثبت لنا كذلك أن اختياراتنا لهؤلاء الساسة كان خاطئاً ايضاً.
لكن السؤال المهم الآن :

هل يتّعظ الناس؟
فالقضاء يستطيع أن يحاكم من تثبت إدانته، لكنه لا يستطيع أن يصحح خيارات الناخبين.

يمكن للقاضي أن يصدر حكمًا بحق مسؤول أساء استخدام السلطة، لكن القضاء لا يستطيع أن يمنع الناخب من إعادة انتخاب شخص آخر ثبت فشله لم يمنعه القانون من الترشح، لان الفشل وحده لا يمنع الترشح !
وهنا تعود المسؤولية إلى المجتمع.
فكثير ممن وصلوا إلى الساحة السياسية لم يأتوا إليها من فراغ، وإنما وصلوا بأصوات الناس، بعضهم اختاره الناس عن قناعة، وبعضهم وصل عبر الدعاية والشعارات والوعود، وبعضهم استفاد من تأثير المال والنفوذ والعلاقات، والبعض من الناخبين يعرفون ذلك جيداً !

والقضاء اليوم، عندما يكشف ملفات الفساد ويصدر أحكامه بحق من تثبت إدانتهم، يشبه من يرفع الغطاء عن قِدرٍ ظل مغلقًا لسنوات، فنبدأ برؤية ما كان مخفيًا تحت الغطاء، ونشم رائحة فسادٍ لم يكن ظاهرًا للجميع.
لكن رفع الغطاء عن الفساد لا يكفي وحده.
المطلوب أن يتعلم المجتمع من المشهد كله.
المواطن، عليه أن يؤدي دوره في المكان الذي لا يستطيع القضاء ولا المرجعية أن يحلا محله فيه:
وهو صندوق الاقتراع.
فإذا كان القضاء يفعل ما عليه، ويحكم بسجن الفاسدين،والمرجعية الدينية دوما كانت تقول ( اختاروا النزيه ) فالسؤال الذي يبقى أمام الناس هو:
هل سيفعلوا ما عليهم أيضًا؟
وهل يتّعظون عندما يحين موعد الاختيار من جديد؟
هذا السؤال المهم !!