بقلم: محمد غازي الأخرس

دائما يتكرر علي سؤال من أصدقاء افتراضيين وواقعيين يصادفونني : لماذا لم نعد نراك في الفيسبوك كالسابق؟ يقولون “كالسابق” وهم يقصدون نشاطي اليومي الذي اعتادوه قبل خمسة عشر سنة وحتى عشر سنوات.
كنت حينها كثيف التواجد في الفضاء الأزرق، أكتب أفكاري، أشاكس أصدقائي، أضع روابط أغان، أتشاجر، أفزع لصديق في التعليقات، أو أفسر ظاهرة اجتماعية أو مثلا شعبيا. كل ما يخطر في بالكم فعلته في صفحتي على الفيسبوك لدرجة أنني كتبت قصيدة نثر شعبية، وذات مرة، جربت اكتشاف مناطق التشابه في ألحان الملحنين، وحين اقتربت من كاظم الساهر قامت الدنيا ولم تقعد وكأنني “سبيت العنب الأسود”. اليوم، أشتاق كما يشتاق أصدقائي لتلك الحميمية التي كنت أملأ بها الفضاء الأزرق، وهنا يأتي السؤال: لماذا يا حمادة لم تعد صفحتك تفور بالمشاركات؟ ببساطة لأن الفيسبوك لم يعد ممتعا ولا لطيفا ولا خفيفا، صار أثقل على المرء مما يراه في واقعه. الكراهيات تسوده، والعراك يملأه، سباب وبذاءة وسخف وتفاهة، الجميع في سباق لإخراج أسوأ ما فيهم. أحيانا، أراقب شاشتي وأصفن متسائلا: هل جاء هذا الفضاء الأزرق ليحررنا من عقدنا أم جاء ليسجننا فيها؟ هل هو رحمة أم نقمة؟ وفي الحال أجيب أنه كذلك، يحتمل الاثنين، هو رحمة لنا، نحن الفضوليين والمنعزلين، الذين نبحث عن رفقة كسولة تعوضنا اكتفاءنا بأنفسنا، وهو نقمة أيضا لأنه أخرج للعلن شخصيتنا الرقمية كقرين مرعب لشخصيتنا الاجتماعية. نعم، المنصات الرقمية قدمتنا كأناس مرضى، عنيفين، نعلق بحدة ونناقش بتجرد عن الأخلاق أحيانا. قبل فترة، صادفت صديقا واقعيا لشدما كنت أحبه، لكنني لم أسلم عليه ولم أعانقه كما كان يفترض، والسبب هو عنف شخصيته الرقمية التي لا تشبه بالمطلق شخصيته الحقيقية المحبوبة والمسالمة. لكم وددت أن أسأله حين رأيته: عجبا يا صاح، أوأنت نفسك الذي يجلس في الليل ممسكا بالتلفون؟ لماذ حين تثمل لا تكون ثمالتك سوى بذاءة وبشاعة أيها الشاعر العذب؟
كنت تمنيت سؤاله، لكنني لم أفعل، أشحت عنه وأنا أتلقى السؤال من ذلك المستغرب “الفطير”: لماذا لم نعد نراك كثيرا في الفيسبوك؟ لقد هربنا يا صاحبي خوفا من أنفسنا التي لم نكن نعرفها.