اقلامهم..

قد يكون إغلاق مضيق هرمز حدثاً مؤقتاً تفرضه ظروف سياسية أو عسكرية استثنائية، لكن الأسئلة التي أثارها حول أمن صادرات النفط العراقية ينبغي ألا تكون مؤقتة. فكلما شهدت المنطقة أزمة جديدة، عاد الحديث عن الحاجة إلى منافذ تصدير بديلة، ثم ما يلبث أن يتراجع مع عودة الاستقرار. وهكذا ظل العراق، على مدى عقود، يناقش القضية نفسها من دون أن يحسمها ضمن رؤية وطنية متكاملة.

إن التطورات الأخيرة، سواء ما يتعلق بالتوترات في الخليج، أو تعثر المفاوضات الخاصة بتجديد اتفاقية خط الأنبوب العراقي–التركي ITP التي ستنتهي بعد يومين “27 تموز الحالي” نظرا لعدم رغبة تركيا تجديد الاتفاقية القديمة بل توقيع اتفافية بشروط حديدة ومنها, تخلي العراق عن مبلغ ال 1.5 مليار دولار الذي حكمت به محكمة التحكيم الدولية لصالح العراق ضد تركيا حتى سنة 2018 وايقاف الدعوة التكميلية حتى سنة 2023 وضمان ضخ كيمة, يقال انها على الاقل 750 مليون برميل يومياً, تدفع رسوم مرورها, الأعلى من السابق, حتى وأن لم تستخدم , وهناك تفاصيل اخرى قد نأتي عليها بمقال لاحق مستقبلاً. المهم ان الاتفاقية مددت مؤقتا لمدة 12 شهرا لاستمرار ضخ النفط من خلال الانبوب الى ميناء جيهان والاستمرار بالتفاوض, أو إعادة طرح مشاريع خطوط الأنابيب باتجاه البحر المتوسط أو البحر الأحمر، أعادت هذا الملف إلى الواجهة من جديد. كما أن الدعوات التي تدعم تنويع منافذ التصدير، سواء جاءت من أطراف دولية أو إقليمية، زادت من أهمية فتح نقاش هادئ وموضوعي حول مستقبل صادرات النفط العراقية.

غير أن السؤال الحقيقي ليس: أي خط أنابيب ينبغي للعراق أن ينشئ وإلى أين نمد خطوط الأنابيب ؟ وإنما: ما هي منظومة تصدير النفط التي تخدم المصالح العراقية العليا على المدى الطويل وكيف؟

لكن قبل الأجابة على ذلك السؤوال ومناقشة الخيارات المختلفة، ينبغي التأكيد على حقيقة أساسية، وهي أن العراق يعتمد اليوم بصورة شبه كاملة على موانئه الجنوبية لتصدير معظم إنتاجه النفطي، وهو ما يجعل أي اضطراب في الملاحة عبر الخليج العربي أو مضيق هرمز قضية تمس الاقتصاد العراقي بصورة مباشرة، لأن النفط لا يمثل مجرد سلعة تصديرية، بل يشكل المصدر الرئيس للإيرادات العامة وتمويل الموازنة وأي اضطراب في تدفقه ينعكس مباشرة على المالية العامة والاقتصاد الوطني. ولهذا فإن أمن الصادرات النفطية يجب أن يُنظر إليه باعتباره جزءاً من الأمن الاقتصادي للعراق، لا مجرد مشروع هندسي أو استثماري.

لا شك أن تنويع منافذ التصدير يمثل، من حيث المبدأ، هدفاً مشروعاً ومطلوباً، لأنه يقلل من الاعتماد على منفذ واحد ويمنح الدولة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات. لكن هذا المبدأ، على أهميته، لا يعني أن كل مشروع جديد سيكون بالضرورة مجدياً اقتصادياً أو استراتيجياً. فالقرار لا يتعلق برسم خط جديد على الخريطة، بل يتطلب موازنة دقيقة بين الكلفة والعائد، وبين الجدوى الاقتصادية والمرونة الاستراتيجية.

وهنا ينبغي التوقف عند حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش العام، وهي أن الموانئ الجنوبية العراقية ستبقى، في الظروف الطبيعية، المنفذ الأكثر كفاءة لتصدير النفط العراقي. فالغالبية العظمى من صادرات العراق تتجه, عبر مضيق هرمز إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، وهي أسواق ترتبط جغرافياً بالموانئ الجنوبية بأقصر الطرق البحرية وأقلها كلفة.

أما تصدير النفط عبر البحر المتوسط أو خليج العقبة أو البحر الأحمر، فيتطلب أولاً نقل النفط مئات أو آلاف الكيلومترات عبر خطوط أنابيب، ثم إعادة تحميل الجزء الأكبر منه على ناقلات نفط متجهة إلى الأسواق الآسيوية يعني تحمل كلف استثمارية وتشغيلية إضافية ينبغي احتسابها بعناية قبل اتخاذ أي قرار.

ومن المهم أيضاً ألا تُبنى الاستراتيجيات الوطنية على افتراض أن الأزمات هي الحالة الدائمة. فالتوترات والحروب، مهما اشتدت، تبقى استثناءً، بينما يبقى السلام واستمرار حركة التجارة الدولية هو الوضع الطبيعي الذي تسعى إليه جميع الدول. وعندما تستقر الأوضاع، فمن المرجح أن تعود معظم الصادرات العراقية إلى الموانئ الجنوبية بحكم كفاءتها الاقتصادية وموقعها الجغرافي القريب من الأسواق الأسيوية, حيث يصدر العراق حوالي 85% من صادراته الى تلك الأسواق.

وهذا يقود إلى سؤال جوهري: إذا كانت الموانئ الجنوبية ستظل الخيار الأول في الظروف الطبيعية، فما هو العدد والحجم الأمثل للمنافذ البديلة؟ وهل ينبغي تصميمها لتحل محل الموانئ الجنوبية، أم لتعمل كمنافذ احتياطية تُستخدم عند الضرورة فقط؟

الإجابة عن هذا السؤال تتطلب النظر إلى خطوط الأنابيب باعتبارها جزءاً من منظومة لإدارة المخاطر، لا بديلاً دائماً عن الموانئ الجنوبية العراقية. فهذه الخطوط لا تقتصر كلفتها على تكاليف النصميم والإنشاء، بل تحتاج إلى تكاليف تشغيل وصيانة وحماية ووو مستمرة، كما أن كفاءة تشغيلها ترتبط بحجم النفط الذي يمر عبرها. لذلك فإن أي مشروع أنابيب جديد ينبغي أن يُقيَّم وفق دورة حياته الاقتصادية الكاملة، وليس فقط وفق الحاجة إليه في أوقات الأزمات.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن مشاريع خطوط الأنابيب تحظى باهتمام ودعم من الدول التي قد تستفيد منها اقتصادياً أو استراتيجياً. فمشروع البصرة–العقبة، على سبيل المثال، يحظى منذ سنوات بدعم واضح داخل الأردن، باعتباره مشروعاً يحقق مكاسب اقتصادية ولوجستية للمملكة، كما يحظى داخل العراق بمؤيدين يرون فيه منفذاً مهماً إلى البحر الأحمر، في مقابل معارضين يشككون في جدواه الاقتصادية مقارنة ليس فقط  بالموانئ الجنوبية العراقية أوالموانئ التركية او السورية على البحر المتوسط, بل وحتى بمنافذ أخرى على البحر الأحمر, مثل ينبع السعودية. كما أن الولايات المتحدة حثت الحكومات العراقية السابقة وبداءت ليس فقط  بتشجيع الحكومة العراقية الحالية, بل وكما يبدو حتى بالضغط عليها, في أكثر من مناسبة, إلى التفكير جدياً  في تقليل اعتماد العراق على مضيق هرمز من خلال تطوير منافذ تصدير بديلة, سواء كانت عن طريق تركيا و/او سوريا و/أو الاردن, وخصوصا فيما يتعلق باعادة تأهيل/بناء خط كركوك بانياس وحتى ربط خط البصرة حديثة به.

ولا غرابة في ذلك، فالدول بطبيعتها تطرح المبادرات التي تنسجم مع مصالحها الوطنية والاستراتيجية. لكن مسؤولية العراق ليست قبول هذه الطروحات أو رفضها بصورة تلقائية، وإنما إخضاعها لدراسات مستقلة معمقة تقيس مدى انسجامها مع المصلحة الوطنية العراقية. فالمعيار الحقيقي لأي مشروع يجب أن يكون ما يحققه للعراق من قيمة اقتصادية واستراتيجية، بناء على دراسات جدوى معتبرة تقوم بها شركات استشارية عالمية متخصصة مستقلة, لا على هوية الجهة التي اقترحته أو أيدته ودعمته او ضغطت من أجله!

 

كما أن التجارب الدولية تؤكد أنه لا توجد وصفة واحدة تصلح لجميع الدول. فالسعودية طورت منافذ على الخليج العربي والبحر الأحمر بما يتناسب مع جغرافيتها وحجم إنتاجها وأهدافها الاستراتيجية من خلال أنشاء خط شرق-غرب الذي يربط المنطقة الشرقية على الخليج العربي الى ميناء ينبع في الغرب على البحر الأحمر, كذلك فعلت الامارات من انشائها خط حبشان الذي يمتد من حقول نفط أبو ظبي الى ميناء الفجيرة عل خليج عمان, أي خارج مضيق هرمز، بينما اعتمدت دول أخرى، مثل أذربيجان وكازاخستان، على أكثر من مسار لتقليل المخاطر المرتبطة بمنفذ واحد. غير أن هذه التجارب صُممت وفق ظروف كل دولة، ولا يمكن نقلها إلى العراق من دون دراسة فنية أقتصادية دقيقة لاختلاف الجغرافيا والأسواق والبنية التحتية.

إن النقاش حول منافذ التصدير يجب ألا يُختزل في الاختيار بين العقبة أو بانياس أو جيهان أو أي مسار آخر. فهذه ليست سوى أدوات يمكن أن تكون مفيدة إذا جاءت ضمن استراتيجية وطنية واضحة، ولكن قد تكون عبئاً مالياً إذا أُنشئت من دون رؤية شاملة أو من دون التأكد التام  بضمان جدواها الاقتصادية.

لذلك، فإن ما يحتاجه العراق اليوم ليس مجرد قرار بإنشاء خط أنابيب جديد، بل إعداد استراتيجية وطنية لأمن صادرات النفط، تشارك في إعدادها, بالأضافة الى الشركات الأستشارية العالمية المتخصصة المستقلة, المؤسسات الحكومية والجامعات والخبراء المستقلون، وتستند إلى دراسات فنية واقتصادية وجيوسياسية متكاملة. وينبغي أن تحدد هذه الاستراتيجية دور كل منفذ تصدير، والطاقة المناسبة له، والظروف التي يستخدم فيها، وكيفية الموازنة بين الكفاءة الاقتصادية والمرونة الاستراتيجية.

إن بناء منافذ جديدة قد يكون قراراً صائباً، وقد لا يكون، لكن القرار لا ينبغي أن يصدر استجابة لأزمة عابرة أو لضغوط خارجية، بل انطلاقاً من رؤية عراقية طويلة الأمد. فالسؤال الذي يجب أن يسبق أي مشروع ليس: إلى أين نمد خط الأنابيب؟ بل: كيف نؤمن صادرات العراق النفطية بأعلى كفاءة اقتصادية وأفضل مرونة استراتيجية خلال العقود المقبلة, وهل يمتلك العراق استراتيجية وطنية واضحة تؤمن صادراته النفطية وتحمي اقتصاده لعقود قادمة، أم أنه سيبقى يعيد النقاش نفسه مع كل أزمة جديدة؟

 

وعندما يمتلك العراق إجابة واضحة عن تلك الأسئلة، سيكون قد انتقل من إدارة الأزمات إلى إدارة المخاطر، ومن ردود الأفعال إلى التخطيط الاستراتيجي، وهو التحول الذي يحتاجه اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على استمرار تدفق النفط إلى الأسواق العالمية.