جريدة / ..
رغم التطور الملحوظ في العلاقات السياسية بين بغداد والرياض خلال السنوات الأخيرة، لا تزال الشراكة الاقتصادية بين البلدين دون مستوى الطموحات التي رافقت تأسيس مجلس التنسيق السعودي العراقي.
السعودية أعلنت منذ مراحل مبكرة استعداد شركات كبرى مثل «أرامكو» و«سابك» و«معادن» و«أكوا باور» لدخول السوق العراقية في قطاعات الغاز والبتروكيماويات والفوسفات والطاقة، كما أكدت اجتماعات المجلس لاحقاً أهمية الانتقال من مرحلة الاتفاقيات والدراسات إلى التنفيذ.
مراقبون اقتصاديون يرون أن المشكلة لا ترتبط بغياب الفرص بقدر ما ترتبط بفجوة بين الفرص المتاحة وآليات تحويلها إلى مشاريع فعلية، فالعراق يمتلك سوقاً كبيرة وموارد طبيعية وموقعاً جغرافياً مهماً، فيما تمتلك السعودية رأس المال والخبرة والشركات القادرة على تنفيذ مشاريع استراتيجية، إلا أن ترجمة هذه المزايا إلى استثمارات ضخمة تحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً ووضوحاً من الناحية التشريعية والتنفيذية.
ويشير مراقبون إلى أن طبيعة المشاريع التي طُرحت بين البلدين تحتاج إلى قرارات طويلة الأمد، خصوصاً في قطاعات الطاقة والغاز والبتروكيماويات والصناعات التعدينية. وهذه المشاريع لا تُبنى على مذكرات تفاهم فقط، وإنما تتطلب حسم مسائل الأراضي والتراخيص والتمويل والضرائب والضمانات وآليات التعاقد، فضلاً عن وضوح العائد الاستثماري للمستثمر.
وتظهر هذه الفجوة بوضوح عند مقارنة حجم الطموحات بحجم التجارة ، فقد بلغ التبادل التجاري بين البلدين 1.5 مليار دولار في عام 2022، بزيادة 50% عن 2021، وهو نمو مهم، لكنه لا يزال محدوداً إذا ما قورن بحجم اقتصادي البلدين والفرص التي ناقشها مجلس التنسيق.
ويرى مراقبون أن البيروقراطية وطول دورة اتخاذ القرار تمثلان عاملاً آخر في إبطاء الاستثمارات ، فالمستثمر الكبير لا يبحث فقط عن فرصة مربحة، بل عن قدرة على تنفيذ المشروع ضمن جدول زمني واضح، وضمانات قانونية مستقرة، وآلية سريعة لحسم النزاعات والعقبات الإدارية.
وفي المقابل، فإن الاجتماعات الرسمية السعودية العراقية نفسها أكدت مراراً الحاجة إلى تفعيل الاتفاقيات، وتحفيز القطاع الخاص، ومواجهة التحديات التي تعترض المستثمرين.
كما يلفت اقتصاديون إلى أن المنافسة على رأس المال الخليجي والدولي أصبحت أكبر, فالعراق لا ينافس فقط على استثمارات سعودية، وإنما على الشركات العالمية والإقليمية القادرة على الدخول في مشروعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية, وبالتالي فإن وجود الفرصة وحده لا يكفي، بل يجب أن تكون إجراءات تنفيذها أكثر سرعة ووضوحاً وجاذبية.
وفي قطاع الطاقة تحديداً، يرى مراقبون أن هناك فرصة لإعادة طرح الشراكة السعودية العراقية بصورة أكثر عملية، خصوصاً أن مشاريع الغاز والطاقة المتجددة والبتروكيماويات كانت حاضرة في اجتماعات المجلس منذ سنوات.
ففي الدورة الخامسة، أكد الجانبان التقدم في مشروع الربط الكهربائي السعودي العراقي بقدرة 1000 ميغاواط، وتحدثا عن مشاريع للطاقة المتجددة بالقدرة نفسها، إلى جانب استمرار المشاورات بشأن مشروع «نبراس الشرق» للبتروكيماويات.
ويخلص مراقبون إلى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من “قائمة الفرص” إلى “قائمة المشاريع المنفذة”، عبر تحديد عدد محدود من المشاريع الاستراتيجية، ووضع جداول زمنية واضحة لها، وتحديد الجهات المسؤولة عن إزالة العقبات، مع منح المستثمر السعودي ضمانات وتشريعات مستقرة, وعندها يمكن للعلاقة السياسية المتقدمة بين بغداد والرياض أن تنعكس بصورة أكبر على الاقتصاد، بدلاً من بقاء التعاون عند مستوى الاتفاقيات والزيارات والفرص الاستثمارية المعلنة.