جريدة/ 
سلّط تقرير لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، الضوء على ملف حصر السلاح في العراق مع اقتراب موعد 30 أيلول، معتبراً أن بقاء الفصائل المسلحة خارج سيطرة الدولة بعد هذا الموعد سيضع حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي أمام تحدٍ داخلي وإقليمي، بالتزامن مع انتهاء مهمة القوات الأميركية المتبقية ضمن التحالف الدولي.

ودعا التقرير، الذي أعدّه ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأسبق، وهو باحث في معهد واشنطن والمدير السابق لبرنامج السياسة العربية فيه، الإدارة الأميركية إلى دعم جهود حكومة الزيدي في ملف حصر السلاح، والتأكد من أن أي تنازلات تقدمها الفصائل في هذا المسار “حقيقية وليست شكلية أو قابلة للتراجع”.

وطرح شينكر جملة من التوصيات للإدارة الأميركية، من بينها النظر في فرض عقوبات فردية على رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي ورئيس منظمة بدر هادي العامري، في حال استمرار ما وصفه التقرير بـ”عرقلة” جهود الدولة لحصر السلاح، إلى جانب تشديد الضغوط المالية على الجهات المرتبطة بالفصائل المصنفة أميركياً، وتعزيز التعاون مع جهاز مكافحة الإرهاب العراقي.

كما تناول التقرير الهجوم الذي استهدف خط أنابيب “شرق–غرب” السعودي في 10 أيلول، وربطه بنشاط فصائل عراقية مدعومة من إيران، معتبراً أن الهجوم أعاد تسليط الضوء على ملف الجماعات المسلحة وتأثير نشاطها في علاقات العراق مع دول المنطقة.

وتالياً نص التقرير

 

في العاشر من أيلول، شنت فصائل عراقية مدعومة من إيران هجوماً على خط أنابيب النفط السعودي “شرق–غرب”، ما أدى إلى توقف تصدير ما بين 4 و5 ملايين برميل من النفط يومياً عبر البحر الأحمر. وكان هذا الهجوم بالطائرات المسيّرة بمثابة تذكير جديد بالدور المزعزع للاستقرار الذي تؤديه هذه الفصائل على الصعيدين الإقليمي والمحلي.

وقبل أشهر، حدد رئيس الوزراء العراقي الجديد، علي الزيدي، يوم 30 أيلول موعداً نهائياً لهذه الجماعات لنزع سلاحها. وفي اليوم نفسه، من المقرر أن تغادر القوات الأميركية المتبقية في العراق ضمن التحالف الدولي لهزيمة تنظيم “داعش”، وفقاً لاتفاق أُبرم في حزيران 2024. وكان يُنظر إلى تزامن موعد نزع السلاح مع موعد مغادرة القوات الأميركية، في وقت من الأوقات، على أنه فرصة لبغداد لإعادة تأكيد سيادة الدولة. إلا أنه، وبينما تسير القوات الأميركية على المسار المحدد للمغادرة، يبدو الآن أن الفصائل ستستمر في الوجود بعد الموعد النهائي. ويشكل استمرار هذه الجماعات المسلحة تحدياً خطيراً للزيدي، وكذلك لإدارة ترامب التي تسعى إلى تغيير مسار العلاقات الثنائية.

رسم خط فاصل؟

تولى الزيدي رئاسة الوزراء في 14 أيار، بعد أقل من ثلاثة أشهر على بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران. وبعد أيام قليلة من توليه منصبه، شنت فصائل مدعومة من إيران، وعلى رأسها كتائب حزب الله وحركة حزب الله النجباء وكتائب سيد الشهداء، هجمات بطائرات مسيّرة على السعودية والإمارات.

وهذه الجماعات المصنفة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، والتي برزت ضمن تشكيلات الحشد الشعبي الذي تأسس عام 2014 لمحاربة تنظيم “داعش”، هاجمت على مدى سنوات دبلوماسيين وعسكريين أميركيين في العراق. وبعد بدء الحرب، وسعت هذه الفصائل نطاق أهدافها ليشمل إقليم كردستان العراق، ومنشآت أمنية عراقية، وقواعد أميركية، فضلاً عن بنى تحتية نفطية في شبه الجزيرة العربية والأردن. وخلال الفترة من شباط إلى نيسان، شنت هذه الفصائل عدداً غير مسبوق من الهجمات على هذه الأهداف.

وإدراكاً منه للخطر الذي تشكله هذه الأعمال العسكرية المنفردة على العراق وعلاقاته مع دول الخليج العربي، أدرج الزيدي في برنامج حكومته الجديد، الذي أُعلن في 17 أيار، مبدأ “حصر السلاح بيد الدولة وإنفاذ سيادة القانون”. وأكد هذه السياسة خلال اجتماعه مع الرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي في 14 تموز، مضيفاً أنه بعد 30 أيلول “لن نقبل أبداً بأي جهة تحمل السلاح خارج سيطرة الدولة”.

وفي بداية ولاية الزيدي، انخرطت حكومته في حوار بشأن نزع السلاح مع فصائل مدعومة من إيران وجماعات مسلحة أخرى. وبدعم من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان، الذي يُعد من أكثر الشخصيات نفوذاً في العراق، أحرز الزيدي بعض التقدم.

ففي أوائل حزيران، وافقت عصائب أهل الحق، وهي فصيل بارز في الحشد الشعبي ومصنفة من قبل الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية، على تسليم أسلحتها. ورغم أن عصائب أهل الحق لم تكن نشطة عسكرياً بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، فإن تنازلها الظاهري يُعد ذا دلالة، إذ يسيطر زعيمها قيس الخزعلي على ثمانية وعشرين مقعداً في البرلمان العراقي من خلال كتلة صادقون التي يتزعمها.

وانضمت كتائب الإمام علي، وهي فصيل آخر ضمن الحشد الشعبي خاضع لعقوبات أميركية وكان نشاطه العسكري محدوداً نسبياً في الآونة الأخيرة، إلى عصائب أهل الحق في الموافقة على نزع السلاح. كما وافق رجل الدين والسياسي مقتدى الصدر على دمج سرايا السلام التابعة له، والتي لا تدين بالولاء لطهران، ضمن القوات المسلحة العراقية.

وليس من المستغرب أن محادثات الحكومة بشأن نزع السلاح مع الفصائل الأكثر نشاطاً لم تكن مثمرة بالقدر نفسه. ففي صيف هذا العام، سافر إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى بغداد للقاء قادة هذه الفصائل والتأكيد على رفضهم نزع السلاح.

وفي ظل غياب أي تقدم، اتخذت الحكومة خطوة جريئة، وإن كانت قصيرة الأجل، تمثلت في اعتقال عدد من المسلحين التابعين لكتائب حزب الله وجماعات مسلحة أخرى. لكن هؤلاء المعتقلين سُلّموا لاحقاً إلى مديرية الأمن التابعة للحشد الشعبي، وأُطلق سراحهم سريعاً.

شروط الفصائل

منذ إدارة ترامب الأولى، ولا سيما منذ عملية الاغتيال الأميركية في كانون الثاني 2020 لقائد فيلق القدس قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، طالبت الفصائل المدعومة من إيران بانسحاب القوات الأميركية من العراق، وجعلته شرطاً أساسياً لنزع السلاح.

إلا أن هذه الفصائل أضافت في آب عدة شروط أخرى، من بينها انسحاب القوات التركية، وإنهاء وجود حزب العمال الكردستاني على الأراضي العراقية، وإقرار تشريع يضمن رواتب ومزايا الحشد الشعبي، وإنهاء النفوذ المالي الأميركي في العراق، وحل قوات البيشمركة الكردية.

ومن غير المرجح أن تستجيب حكومة الزيدي لهذه المطالب، إذ إن وجود قوات البيشمركة، على سبيل المثال، مكفول بموجب الدستور العراقي. وعلى أي حال، كانت تنازلات الفصائل حتى الآن محدودة.

ففي آب، أفادت تقارير بأن بغداد رفضت عرضاً يقضي بتجميد العمليات العسكرية لمدة عامين وتخزين أسلحة الفصائل في مستودعاتها الخاصة بدلاً من تسليمها إلى الدولة. ومن الخيارات الإشكالية الأخرى التي طرحتها الفصائل تخزين بعض أسلحتها الثقيلة في إيران.

ومن المفارقات أن هذه الفصائل، التي تعلن علناً ولاءها لطهران، تقدم شروطها باعتبارها محاولة لضمان “سيادة” العراق. وكما وصفها متحدث باسم حركة أنصار الله الأوفياء، فإن مطالبها تهدف إلى “حماية الشعب العراقي وأرضه وأجوائه”. وتماشياً مع هذا الطرح، أصرت هذه الفصائل، التي استهدفت مراراً جيران العراق وإقليم كردستان بالطائرات المسيّرة والصواريخ، على أن تشتري بغداد أنظمة دفاع جوي وتنشرها.

توصيات للسياسة الأميركية

أدت الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز إلى زيادة الضغوط على اقتصاد العراق المعتمد بدرجة كبيرة على صادرات الطاقة. وأعلنت بغداد حالة “أزمة”، فيما تواجه صعوبات في تغطية رواتب موظفي القطاع العام، بما في ذلك نحو 3.6 مليار دولار تُخصص سنوياً لقوات الحشد الشعبي.

وتشكل هذه الضغوط المالية، التي قد تستمر حتى بعد انتهاء الحرب، حافزاً للفصائل للتفاوض. وفي غضون ذلك، يبدو أن زعيم عصائب أهل الحق قيس الخزعلي اختار مسار نزع السلاح، جزئياً على الأقل، أملاً في تعزيز مشاركته في العملية السياسية العراقية.

لكن من غير المرجح أن تنهي الحوافز المالية وحدها علاقة هذه الفصائل بإيران. وعلاوة على ذلك، لا ينبغي لواشنطن أن تفترض أن نزع السلاح سيكون دائماً، إذ أعادت إيران، خلال حرب هذا العام، تسليح الفصائل بثلاث دفعات من الصواريخ والطائرات المسيّرة المتطورة.

وبالنظر إلى الوضع الاقتصادي الحساس للعراق والآمال الكبيرة المعقودة على الزيدي، ينبغي على واشنطن توخي الحذر عند فرض عقوبات واسعة النطاق بهدف دفع هذه الفصائل إلى اتخاذ خطوات في ملف السلاح.

ومع ذلك، ينبغي لإدارة ترامب ممارسة قدر من الضغط لدعم الزيدي في جهوده لنزع السلاح، وضمان ألا تكون أي تنازلات تقدمها الفصائل شكلية أو قابلة للتراجع. وفي الأشهر المقبلة، ينبغي على واشنطن القيام بما يأتي:

اغتنام الفرص المتاحة: مواصلة العمل عن كثب مع الرياض لتعقب واستهداف كبار قادة الفصائل المسؤولة عن الهجمات على السعودية. ومن شأن ذلك، بحسب التقرير، ردع المزيد من الهجمات على المنشآت النفطية السعودية، وإضعاف الفصائل، وتعزيز موقف الحكومة العراقية.

النظر في العقوبات الفردية: اثنان من كبار الشخصيات التي تمثل القوى المرتبطة بالحشد الشعبي في المفاوضات مع بغداد هما رئيس منظمة بدر هادي العامري ورئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي. ويسيطر الطرفان معاً على 47 مقعداً في البرلمان، وهما من أبرز أطراف الإطار التنسيقي الحاكم.

ويقول التقرير إن الرجلين يتمسكان حتى الآن بمواقفهما ولا يظهران ميلاً إلى نزع السلاح. وبدلاً من ذلك، يتحدث المالكي عن الانخراط في عملية “احتواء” أسلحة الفصائل.

ويشير التقرير إلى أن إدارة ترامب الأولى كانت قد درست فرض عقوبات على المالكي، داعياً إلى فرض عقوبات عليه وعلى العامري في حال استمرارهما، وفق توصيفه، في عرقلة محاولات الدولة لحصر السلاح.

إعادة التواصل مع جهاز مكافحة الإرهاب: لعب جهاز مكافحة الإرهاب العراقي دوراً حاسماً في هزيمة تنظيم “داعش”، ولا يزال، بحسب التقرير، من بين المؤسسات الأمنية الأقل تأثراً بالجماعات المرتبطة بإيران.

وخلال المئة يوم الأولى من ولاية الزيدي، استخدم رئيس الوزراء هذه القوات لاعتقال عناصر من الفصائل، ومن المرجح أن يحتاج إلى الاعتماد عليها مستقبلاً. وينبغي على واشنطن، بحسب التقرير، أن تعرض مساعدة حكومة الزيدي في تدقيق قيادات جهاز مكافحة الإرهاب وإبعاد العناصر المرتبطة بالفصائل، والحفاظ على هذه القوة التي عُرفت بكفاءتها ومهنيتها.

كما ينبغي للسلطات الأميركية تزويد الحكومة العراقية بالمعلومات الاستخباراتية العملياتية اللازمة لاعتقال الخلايا التي نفذت الهجمات على السعودية.

استهداف التمويل المباشر للفصائل: بالنظر إلى أن قوات الحشد الشعبي تضم نحو 238 ألف عنصر، سيكون من الصعب للغاية على بغداد حلها بالكامل. ومع ذلك، إذا لم يُحرز تقدم نحو نزع السلاح، فقد تنظر واشنطن في فرض عقوبات على مسؤولين حكوميين عراقيين يوافقون على تمويل الفصائل المصنفة من قبل الولايات المتحدة.

استمرار دعم أكراد العراق: مع انسحاب الولايات المتحدة من العراق وإزالة منظومات “باتريوت” للدفاع الجوي من أربيل، يفقد إقليم كردستان جزءاً مهماً من الحماية التي كانت متاحة له، في وقت يقول التقرير إن الفصائل أطلقت أكثر من 800 صاروخ وطائرة مسيّرة على مناطق الإقليم خلال الحرب مع إيران.

ويتزامن 30 أيلول مع انتهاء مذكرة التفاهم بين وزارة الدفاع الأميركية وقوات البيشمركة، ما يزيد احتمال خفض المساعدات السنوية بمقدار 61 مليون دولار.

ورغم أن واشنطن، بحسب التقرير، لا ينبغي أن تتحمل مسؤولية تمويل قوات الأمن في دولة تمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، فإن الظروف الحالية التي تشهد تزايداً في هشاشة الوضع الأمني في إقليم كردستان تجعل من غير المناسب تقليص التمويل في الوقت الراهن.