جريدة/
من النفط والغاز إلى المحكمة الاتحادية ومجلس الاتحاد، بقيت تشريعات أساسية عالقة لسنوات طويلة رغم ارتباط بعضها باستحقاقات دستورية، فيما يعود البرلمان في المقابل إلى فتح قوانين أُقرت خلال سنوات أقرب لإجراء تعديلات جديدة عليها، ليجد المسار التشريعي نفسه أمام اختبار لا يتعلق بعدد القوانين التي يجري تمريرها فقط، بل بجودة التشريعات وقدرة مؤسسات الدولة على تحويلها إلى سياسات قابلة للتطبيق.
300 مشروع ومقترح
ويقول مصدر نيابي مطلع، اليوم السبت، إن “الأرقام المتوفرة تؤشر وجود نحو 300 مشروع ومقترح وتعديل قانون وطلبات للتعديل، موزعة بين تشريعات مدورة من دورات سابقة، ومشاريع وصلت من الحكومة والجهات المخولة دستورياً، ومقترحات أعدتها اللجان والكتل النيابية، فضلاً عن قوانين أعيد فتحها لغرض التعديل”.
ويوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن “وجود هذا العدد لا يعني أن جميع التشريعات باتت جاهزة للتصويت، إذ تتوزع مراحلها بين الدراسة داخل اللجان والقراءة الأولى والثانية وانتظار التوافقات السياسية أو استكمال المتطلبات المالية والفنية”.
ويضيف أن “هناك توجهاً نيابياً لمراجعة وتعديل نحو 20 قانوناً نافذاً خلال المرحلة المقبلة، بعضها شُرع خلال السنوات الأخيرة، بعدما كشف التطبيق عن ثغرات أو تعارضات مع تشريعات أخرى أو صعوبات في التنفيذ، فيما ترتبط تعديلات أخرى بتغيرات مالية وإدارية طرأت بعد تشريع القوانين الأصلية”.
ويلفت إلى أن “جزءاً مهماً من التراكم التشريعي لا يرتبط بعمل البرلمان الحالي وحده، وإنما انتقل إليه من دورات سابقة، وبين هذه المشاريع قوانين سيادية ودستورية واقتصادية ظلت معلقة بسبب الخلاف السياسي، مقابل مشاريع أخرى تأخرت لأسباب فنية أو لوجود كلفة مالية تستوجب موقفاً من الحكومة”.
وبحسب المصدر، فإن عدد القوانين الموجودة في المسار التشريعي يبقى أكبر بكثير من عدد التشريعات التي يمكن حسمها فعلياً خلال الدورة الحالية.
معضلة التوافقات
من جهته، يقول عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب ضياء شغاتي، إن “هناك عشرات القوانين المطروحة حالياً للنقاش داخل مجلس النواب، سواءً على مستوى التشريع أو التعديل، وهي لا تعود إلى جهة واحدة، فبعض مشاريع القوانين جاءت من مجلس الوزراء، وأخرى من رئاسة الجمهورية، إلى جانب مقترحات قوانين انطلقت من مجلس النواب ولجانه المختصة”.
ويضيف أن “هذه التشريعات تتوزع بين مكافحة الفساد وتنظيم عمل مؤسسات الدولة والملفات الاقتصادية، فضلاً عن قوانين ترتبط بحقوق شرائح مختلفة من المجتمع”.
ويشير شغاتي إلى أن “أبرز التشريعات التي يجري العمل عليها في الوقت الراهن مشروع قانون استرداد عائدات الفساد، الذي يستهدف وضع إطار قانوني أكثر وضوحاً لاستعادة الأموال المتحصلة من جرائم الفساد داخل العراق وخارجه، ومعالجة بعض الثغرات التي تواجه الجهات المختصة في ملاحقة الأموال والأصول”.
ويبين أن “وصول مشروع أو مقترح القانون إلى مجلس النواب لا يعني بالضرورة إمكانية تمريره سريعاً، فهناك قوانين تحتاج إلى توافقات سياسية، وأخرى ترتبط بجوانب مالية تتطلب التنسيق مع الحكومة، فضلاً عن مشروعات تثير خلافات بشأن الصلاحيات أو آليات التنفيذ، ولذلك تختلف المدة التي يستغرقها كل تشريع بحسب طبيعته وحجم التقاطعات الموجودة بشأنه”.
قوانين تعود سريعاً إلى التعديل
وفي مقابل التشريعات التي انتظرت سنوات طويلة من دون إقرار، يعود مجلس النواب إلى تعديل قوانين لم يمض على تشريعها وقت طويل قياساً بعمر التشريعات العراقية، ومن بينها قانون المرور رقم 8 لسنة 2019، الذي أُقر قبل نحو سبع سنوات قبل أن يبدأ البرلمان الحالي إجراءات تعديله للمرة الأولى.
وتتركز مطالب التعديل حول مبالغ الغرامات وآليات إشعار المخالفين ومدد الاعتراض وتنظيم عمل بعض المركبات، فضلاً عن معالجة مشكلات ظهرت مع تطبيق أنظمة الرصد الحديثة.
ولا يقتصر مسار المراجعة على قانون المرور، إذ عاد قانون التقاعد الموحد رقم 9 لسنة 2014 إلى واجهة النقاش التشريعي أيضاً، رغم خضوعه لتعديل واسع أواخر عام 2019 شمل سن الإحالة إلى التقاعد والاستحقاقات التقاعدية وعدداً من الفئات والاستثناءات.
ويتحرك البرلمان باتجاه تعديلات جديدة على قانون التقاعد استجابةً لمطالب ومشكلات ترتبط بشريحة المتقاعدين، وهو ما يعيد النقاش بشأن قدرة بعض التشريعات على الصمود أمام اختبار التطبيق، ومدى دراسة آثارها قبل إقرارها.
مشاريع مستعجلة
من جانبه، يقول عضو مجلس النواب السابق جواد اليساري، إن “إحدى المشكلات التي تعاني منها العملية التشريعية في العراق تتمثل بقصر عمر بعض القوانين وعدم رصانتها بالشكل الكافي، إذ لا تمضي فترة طويلة على تشريع القانون حتى تكتشف الجهة التي شُرع من أجلها أو المؤسسات المعنية بتطبيقه أنها بحاجة إلى إضافة مادة أو تعديل أخرى، بسبب عدم قدرة النص الأصلي على تلبية الاحتياجات التي تظهر عند التطبيق”.
ويضيف أن “الحكومة مطالبة عندما ترسل مشاريع القوانين إلى مجلس النواب بأن تكون هذه المشاريع مدروسة ورصينة وذات عمر تشريعي طويل، وقادرة على الاستجابة لاحتياجات المجتمع والمؤسسات لسنوات”.
ويشير إلى أن “هناك قوانين عراقية يعود بعضها إلى عقود طويلة، بل إن بعضها صدر منذ عام 1959 وظل قادراً على تنظيم المجال الذي شُرع من أجله من دون الحاجة إلى تعديلات متكررة”.
خبرات محدودة
ويلفت اليساري إلى أن “هناك عدداً كبيراً من القوانين التي تتراكم داخل مجلس النواب من دورة إلى أخرى، لكن الخلافات السياسية وغياب التوافق بشأن بعضها يؤديان إلى تأخيرها، ولا سيما القوانين التي تتقاطع فيها مصالح القوى السياسية أو تتطلب اتفاقاً مسبقاً قبل الوصول بها إلى مرحلة التصويت”.
ويتابع أن “أعضاء مجلس النواب ليسوا جميعاً متخصصين في صياغة القوانين، ولذلك ينبغي أن تكون هناك عملية متكاملة أو ما يمكن وصفه بمطبخ تشريعي حقيقي لإنضاج القانون قبل التصويت عليه، يشارك فيه متخصصون وخبراء قانونيون إلى جانب اللجان النيابية والجهات المعنية بتنفيذ القانون”.
ويرى أن بعض أعضاء اللجان قد تكون خبرتهم محدودة أو لم يكتسبوا بعد الممارسة الكافية في العمل التشريعي، ما يجعل الاستعانة بالخبرات المتخصصة جزءاً أساسياً من عملية إعداد القوانين.
استحقاقات دستورية تنتظر منذ سنوات
بدوره، يقول السياسي المستقل هاني عاشور، إن “واحدة من الإشكالات الأساسية التي واجهت العملية التشريعية منذ عام 2005 تتمثل في بقاء استحقاقات دستورية وتشريعية من دون حسم رغم مرور أكثر من عشرين عاماً، بدءاً من ملف تعديل الدستور، وصولاً إلى تشريعات نص عليها الدستور بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وفي مقدمتها قانون النفط والغاز، إلى جانب عدد كبير من القوانين التي نوقشت في دورات برلمانية مختلفة لكنها لم تصل حتى الآن إلى مرحلة الإقرار”.
ويرى عاشور أن “المشكلة لا تتعلق بالخلاف السياسي وحده، وإنما بوجود نقص في الخبرات والكفاءات المتخصصة داخل بعض اللجان التي تتولى دراسة مشاريع القوانين، فضلاً عن الانقطاعات التي تفرضها العطل التشريعية وانشغال المجلس بملفات سياسية أخرى، وهو ما يؤدي إلى ترحيل مشاريع من دورة إلى أخرى”.
ويضيف أن “هناك قوانين يقرها البرلمان ثم يعود إلى تعديلها بين فترة وأخرى، كما حصل مع قانون العفو العام، الأمر الذي يعكس مشكلة أوسع في إنضاج بعض التشريعات قبل التصويت عليها”.
ويلفت إلى أن “قانون تنظيم المعلوماتية يمثل إنموذجاً آخر على بطء الاستجابة التشريعية، إذ بدأ النقاش بشأنه منذ نحو عام 2010 تحت مسميات وصيغ مختلفة، من بينها جرائم المعلوماتية، لكن البرلمان لم يتمكن حتى الآن من إنجاز إطار تشريعي متكامل يواكب التطور الهائل الذي شهده قطاع الاتصالات والتكنولوجيا والمعلومات خلال السنوات الماضية”.
ويتزامن هذا التراكم التشريعي مع بداية عمل حكومة علي الزيدي، التي وضعت الإصلاح الإداري والمالي وإعادة تنظيم عدد من مؤسسات الدولة ضمن أولويات برنامجها، ما يجعل الحكومة طرفاً أساسياً في جانب من الورشة التشريعية المقبلة، سواء عبر مشاريع القوانين المطلوبة لتنفيذ برنامجها أو التعديلات التي تطلبها الوزارات على تشريعات قائمة لم تعد تستجيب للتحولات الإدارية والاقتصادية.
ويبقى مصير جانب كبير من هذه التشريعات مرتبطاً بحجم التوافق داخل مجلس النواب، إلى جانب قدرة الحكومة على تأمين المتطلبات المالية للقوانين ذات الكلفة، في وقت يقف فيه البرلمان أمام رصيد ضخم من التشريعات المتراكمة، بعضها ينتظر منذ سنوات طويلة، وبعضها الآخر يعود إلى طاولة التعديل بعد سنوات قليلة فقط من إقراره.
المصدر: العالم الجديد