جريدة |..

مع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يبدو أن مرحلة القوى المسلحة التي نشأت في ظروف استثنائية وأدت أدوارًا عسكرية وأمنية خارج مؤسسات الدولة تتجه نحو إعادة التموضع، في ظل صعود توجه إقليمي ودولي يدفع باتجاه تقوية الدول المركزية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وفي هذا السياق، برزت خطوات قوات سوريا الديمقراطية (قسد) باتجاه الاندماج ضمن مؤسسات الدولة السورية الجديدة، في تحول لافت عن مرحلة سابقة كانت فيها قوة عسكرية كبيرة ومدعومة أمريكيًا، وتسيطر على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا.

قسد أمام معادلة جديدة

ويرى المتخصص في الشؤون الأمنية مخلد حازم أن قسد تشكلت في ظرف معين لمحاربة تنظيم داعش، وحصلت على دعم أمريكي كبير، قبل أن تصبح لاعبًا أساسيًا في تأمين مناطق واسعة من شمال شرق سوريا، فضلًا عن مساهمتها في حماية مناطق وقواعد ذات أهمية للوجود الأمريكي في المنطقة.

ويشير حازم في تصريح لـ “جريدة“، إلى أن قسد، التي تضم مكونات عربية وكردية، كانت تمتلك طموحات سياسية وعسكرية واسعة، مع وجود تداخلات مع حزب العمال الكردستاني، خصوصًا في المناطق الممتدة من روج آفا وصولًا إلى محيط سنجار.

لكن المعادلة الإقليمية، بحسب حازم، بدأت تتغير بصورة واضحة، مع تراجع الطروحات التي كانت تدفع باتجاه تقسيم سوريا أو إقامة كيانات وفيدراليات مسلحة، مقابل توجه جديد يقوم على تقوية الدولة المركزية ومنع وجود السلاح خارج مؤسساتها.

من القوة العسكرية إلى الاندماج

ويعتقد حازم أن الولايات المتحدة دفعت قسد أمام خيار واضح: إما الاندماج مع الحكومة السورية الجديدة والحصول على ضمانات تتعلق بحقوق الأكراد ومكاسبهم السياسية والإدارية، أو مواجهة خطر العزلة وخسارة جزء كبير من الامتيازات التي حصلت عليها خلال السنوات الماضية.

وبحسب رؤيته، ساهمت عوامل إقليمية، بينها الموقف الداعم من إقليم كردستان العراق، في توضيح هذه المعادلة أمام قيادة قسد، ولا سيما قائدها مظلوم عبدي.

كما أن تغير مواقف قطاعات من العرب المنضوين ضمن قسد، واتجاههم نحو الحكومة السورية الجديدة، عزز القناعة لدى قيادة القوات بأن الاندماج بات خيارًا أكثر واقعية للحفاظ على المكتسبات والحقوق الكردية ضمن الدولة السورية.

رسالة إلى فصائل العراق

ويرى حازم أن تجربة قسد يمكن أن تقدم درسًا مهمًا للفصائل المسلحة في العراق، معتبرًا أن القوى التي نشأت استجابة لظروف أمنية وسياسية معينة لا يمكنها الاستمرار إلى ما لا نهاية خارج مؤسسات الدولة، خصوصًا بعد تغير الظروف التي أدت إلى ظهورها.

ويضيف أن الحفاظ على القوة والمكانة والنفوذ لا يتحقق بالضرورة عبر استمرار حمل السلاح، بل يمكن أن يكون من خلال الاندماج في مؤسسات الدولة والعمل ضمن القانون، محذرًا من أن استمرار السلاح خارج إطار الدولة قد يقود في المستقبل إلى خسائر سياسية وأمنية كبيرة.

ويخلص حازم إلى أن المنطقة تتجه، وفق المعادلة الإقليمية الجديدة، نحو تقوية الدول المركزية، وتعزيز مؤسساتها، وحصر السلاح بيدها، معتبرًا أن استقرار سوريا والعراق ولبنان يرتبط إلى حد كبير بإنهاء ظاهرة القوى المسلحة الموازية للدولة، والانتقال من منطق السلاح إلى منطق المؤسسات والقانون