جريدة/ 

سلّط تقرير لصحيفة “العالم الجديد” الضوء على تحرك حكومي عراقي لإعادة نحو 6 آلاف من المحكومين والنزلاء الأجانب إلى بلدانهم، ينتمون إلى 61 دولة، ضمن خطة تمتد بين ثلاث وأربع سنوات.

وقال التقرير إن وزارة العدل بدأت مخاطبة البعثات الدبلوماسية وحكومات الدول المعنية لبحث آليات نقل رعاياها، في خطوة تستند إلى أطر قانونية واتفاقيات قضائية ومذكرات تفاهم ومبدأ المعاملة بالمثل، فيما أبدت دول غربية اهتماماً باستعادة مواطنيها، مع استمرار مباحثات منفصلة بشأن الترتيبات الأمنية والقضائية.

ونقل التقرير عن مصدر مطلع في وزارة العدل قوله إن “تحرك الوزارة لإعادة النزلاء والمحكومين الأجانب إلى بلدانهم لا يرتبط فقط بمعالجة الاكتظاظ داخل المؤسسات الإصلاحية، وإنما يأتي ضمن توجه حكومي أوسع لإنهاء ملف السجناء الأجانب في العراق بصورة تدريجية، وفق أطر قانونية واتفاقيات قضائية ومذكرات تفاهم ومبدأ المعاملة بالمثل”.

وأضاف المصدر أن “الوزارة وضعت تصوراً زمنياً يمتد لنحو ثلاث أو أربع سنوات لإنجاز هذا الملف على مراحل وبالتنسيق مع الدول المعنية والجهات العراقية المختصة”، مشيراً إلى أن الخطة القريبة تشمل نحو 6 آلاف محكوم ونزيل من 61 دولة، مع إعداد قوائم أولية بأسماء المشمولين وإخضاع كل حالة للتدقيق القانوني والأمني.

وأشار التقرير إلى أن ملف السجناء الأجانب لا يرتبط فقط بالضغوط التي تواجهها المؤسسات الإصلاحية، وإنما يمتد إلى إرث أمني خلفه اجتياح تنظيم “داعش” للعراق بعد عام 2014، إذ احتُجز آلاف الأشخاص من جنسيات عربية وأجنبية على خلفية الانتماء إلى التنظيم أو الارتباط به، وخضع عدد منهم للتحقيق والمحاكمة أمام القضاء العراقي.

وأوضح التقرير أن العدد الأكبر من الأجانب الموجودين حالياً ارتبط أيضاً بعملية نقل عناصر تنظيم “داعش” من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق، حيث تسلم العراق في شباط 2026 نحو 5704 محتجزين، بينهم 467 عراقياً، فيما ينحدر الباقون من عشرات الدول، في خطوة جاءت وسط مخاوف من انهيار منظومة الاحتجاز في سوريا وهروب عناصر التنظيم.

ونقل التقرير عن الخبير الأمني عبدالغني الغضبان قوله إن “التحرك العراقي لإعادة المحكومين الأجانب إلى بلدانهم أصبح ضرورة في ظل الضغوط المتزايدة التي تواجهها المؤسسات الإصلاحية، فضلاً عن الأعباء الأمنية واللوجستية والمالية التي تتحملها الدولة العراقية في توفير الحماية والرعاية والخدمات لهم”.

وأضاف الغضبان أن “دول هؤلاء المحكومين أولى بهم، خصوصاً عندما لا يكون الشخص قد ارتكب جريمة مثبتة داخل الأراضي العراقية، لكن من تثبت إدانته بارتكاب جريمة داخل العراق، وبأدلة قاطعة، سيخضع للقضاء العراقي والقوانين النافذة، لأن الجريمة في هذه الحالة وقعت على الأرض العراقية ومست الدم العراقي”.

وحذر من أن “خصوصية بعض الملفات، ولا سيما المرتبطة بالإرهاب وتنظيم داعش، تفرض تدقيقاً أمنياً وقضائياً دقيقاً قبل أي عملية نقل، بحيث لا تشمل الإجراءات من ثبت ارتكابه جرائم داخل العراق أو من يشكل خروجه خطراً على الأمن الوطني”، داعياً إلى وضع معايير واضحة توازن بين تخفيف الضغط عن المؤسسات الإصلاحية وحماية المصالح الأمنية والقضائية للعراق.

وبحسب التقرير، تواجه السجون العراقية اكتظاظاً كبيراً، إذ تضم نحو 65 ألف سجين، في وقت لا تتجاوز طاقتها الاستيعابية قرابة نصف هذا العدد، فيما كانت وزارة العدل قد أشارت في شباط 2026 إلى وجود نحو 1050 سجيناً أجنبياً في مؤسساتها الإصلاحية، باستثناء عناصر “داعش” الذين نقلوا لاحقاً من سوريا.

وفي الجانب القانوني، نقل التقرير عن الخبير القانوني علي التميمي قوله إن “نقل المحكومين الأجانب إلى بلدانهم لا يعني ترحيلهم بصورة إدارية، وإنما هو إجراء قضائي تحكمه اتفاقيات دولية وتشريعات عراقية تنظم آلية انتقال المحكوم لإكمال مدة العقوبة في الدولة التي يحمل جنسيتها”، مبيناً أن الأساس القانوني يختلف بحسب الدولة التي ينتمي إليها المحكوم وما إذا كان العراق يرتبط معها باتفاقية لنقل المحكومين أو مذكرة تفاهم تتيح ذلك.

وأضاف التميمي أن “العراق يستطيع الاستناد إلى الاتفاقيات الثنائية ومذكرات التفاهم المبرمة مع عدد من الدول، فضلاً عن اتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي ومبدأ المعاملة بالمثل”، موضحاً أن “الغاية من هذه الآليات ليست إسقاط الحكم الصادر عن القضاء العراقي، وإنما نقل تنفيذه إلى الدولة التي ينتمي إليها المحكوم”.

وأشار إلى أن “قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971، ولا سيما الأحكام المتعلقة بتسليم المجرمين، إلى جانب قانون إقامة الأجانب والتشريعات ذات الصلة بالاتفاقيات الدولية، يوفران إطاراً قانونياً للتعامل مع الأجانب المعتقلين”، مؤكداً أن النقل لا يمكن أن يتم بصورة شاملة أو تلقائية، وإنما يتطلب تدقيق الوضع القانوني لكل محكوم ومدى انطباق الاتفاقية أو الأساس القانوني عليه.

وأكد التميمي أن “من أهم النقاط في هذا الملف ضمان عدم تحول نقل المحكوم إلى وسيلة للإفلات من العقوبة”، مشدداً على ضرورة وجود ضمانات بشأن استمرار تنفيذ الحكم وتبادل الوثائق والملفات القضائية والتأكد من قبول الدولة المستقبلة تنفيذ المدة المتبقية من العقوبة.

وتطرق التقرير إلى أحكام الإعدام، مبيناً أن نقل المحكومين بهذه العقوبة قد يثير إشكالات تتعلق بالسيادة القضائية واختلاف التشريعات بين الدول، فيما يمكن أن تشمل إجراءات النقل المحكومين بعقوبات سالبة للحرية وفق الشروط والضوابط القانونية المعتمدة.