بقلم/ جمانة ممتاز 

كنتُ ناشطة مدنية حين ظننت لفترة من الزمن أن هناك قضية ندافع عنها، هذا لا يعني أنني تخليتُ عن قضيتي لكن يعني صرت أعرف تصنيفي كأقلية بلا حماية وحدودي الحقيقية بغض النظر عن حقوق المواطنة..

أذكر حين كنتُ أرتدي ملابس التظاهرات وأذهب الى ساحة التحرير من ٢٠١٥-٢٠١٨، كانت أمي تقول ” وين ماما.. ليش الا يصير بيج شي يلا تصحين” ..

كنت أرفض كلام أمي لأني أظنها تخاف علي أكثر من اللازم واتجاهل أنها خريجة تاريخ؛ وقارئ التاريخ يفهم العِبر.

على إثر التبعات الأمنية التي قد تطال الناشطين، غادرتُ بغداد في ٢٠١٨، ما أن أقلعت الطائرة حتى تأملت المدينة الغاصة في الظلام، شعرتُ لأول مرة بشعور الأقلية، مثل المسيحيين والإيزيديين والصابئة المندائية، غادروا البلد بتذكرة دون عودة؛ لأنهم ولدوا في دول لم تتشكل بعد رغم تشريع أفضل القوانين؛ لأن من يعيش في هذه البلدان عليه أن يستند الى ظهير حزبي، بلدان فيها الرصاص رخيص والسلاح مباح وحياة الإنسان مهما علت في المجتمع تبقى بلا قيمة، طبيب يهان في المستشفى واستاذ جامعي تلاحقه جماعات انتخى بهم والد طالب فاشل ومحامي رفبع طرز صدره الموت لأنه كسب قضية ومواطن أعزل يلهث صوب أبواب الدوائر لأنه بلا واسطة؛ ومئات الخريجيين حلمهم الكبير بسيط وهو ” تعيين” وغيرهم الكثير الكثير في هذا الوطن الفسيح والضيق علينا.

انا لا أصنف كما يصنفني المجتمع على اساس ديني او طائفي او عرقي؛ أصنف نفسي على اساس تيار فكري؛ انتمي الى من يشبهونني؛ مجتمعي صغير عابر للهويات ينكفئ على نفسه كل يوم أكثر؛ يشعر بحمولة الواقع وصعوبة الاندماج، حين نظرت من الطائرة عندها؛ كان أول يوم اكتشف فيه هويتي الحقيقية بأن هذه الفوضى لا تشبهني وأن ما أبحث عنه لن يصير وأن دفاعي ليس سوى عبث كما قالت أمي..صرتُ انسحب كل يوم درجة حتى بلغ الوعي مبلغه فابتلعني للعزلة.

الآن؛ اتفرج على سجالات الأكثرية والسنوات تمضي؛ عمر يضيع في هذه المعارك الطاحنة والمستوى المتدني وتضيع معه مهاراتنا وقدراتنا وأحلامنا بواقع أفضل، في سجالات الجبابرة هذه؛ تصير قضايانا نحن الفرادى؛ قضايا تدور حول الحماية في رجاء أن لا تسقط على رؤوسنا طلقة او شتيمة ، ولتعاسة الحظ، حتى من أنتمي لهم؛ أقلية مهددة بالانقراض مع زيادة الإغراءات المادية؛ وأقلية غير معترف بها حتى؛ لأن الأقليات أما أثنية عرقية- او دينية طائفية، وشكراً للقدر؛ نفهم المأساة مرتين ونتحمل ثقل اللاعتراف فوق عبء المزاحمة.