جريدة / ..
مع بقاء نحو شهر واحد على الموعد الذي حددته الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة، بدأت لهجة الخطاب الحكومي تتغير بشكل واضح مقارنة بالمواقف السابقة، إذ انتقلت من التأكيد الحازم على إنهاء وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى التشديد على الحوار والتفاوض، مع نفي وجود نية للدخول في مواجهة عسكرية مع الفصائل المسلحة.
وفي قراءة لهذا التحول، يرى المتخصص في الشؤون الاستخبارية والأمنية مجاهد الصميدعي أن الحكومة باتت تدرك حدود قدرتها على فرض قرار حصر السلاح بالقوة، خصوصاً في مواجهة الفصائل الكبيرة التي تمتلك قدرات عسكرية ونفوذاً سياسياً داخل مؤسسات الدولة.
ويقول الصميدعي في تصريح لـ”جريدة”، إن الحديث عن «لا سلاح خارج الدولة» يمثل موقفاً سياسياً، لكن الانتقال إلى مرحلة تنفيذ القرار على الفصائل المسلحة الكبيرة يمثل مسألة مختلفة تماماً، مشيراً إلى أن تأكيد رئيس الوزراء عدم وجود نية لاستخدام الخيار العسكري، والحديث عن الحوار وآليات تسليم السلاح، يأتي في وقت لا يزال فيه الملف، بحسب تقديره، من دون تقدم عملي واضح.
ويرى أن هذا الموقف يحمل رسالة طمأنة إلى الفصائل المسلحة بأن موعد 30 أيلول لن يتحول إلى مواجهة عسكرية، وفي الوقت نفسه يفتح الباب أمام التفاوض بشأن مستقبل سلاحها.
ويعتبر الصميدعي أن الحكومة تدخل المفاوضات من موقع أضعف، في ظل ما وصفه بالقدرات العسكرية للفصائل وتغلغلها السياسي داخل البيت الشيعي ومؤسسات الدولة، مبيناً أن التصريحات السياسية بشأن حصر السلاح قد تختلف عن واقع التنفيذ على الأرض.
وبحسب الصميدعي، فإن موقف رئيس الوزراء يقوم حالياً على الفصل بين الهدف والموعد؛ إذ تبقى الحكومة متمسكة بشعار حصر السلاح بيد الدولة، لكن من دون ربط تحقيق هذا الهدف بسقف زمني واضح بعد 30 أيلول، وهو ما قد يجعل عملية التنفيذ مفتوحة زمنياً.
ويضيف أن هذا التحول قد يؤدي إلى تمييع الملف بعد انتهاء المهلة، خصوصاً إذا لم تترافق التصريحات الحكومية مع إجراءات عملية، معتبراً أن رفع شعار حصر السلاح ربما جاء، في جانب منه، لامتصاص الضغوط الدولية والأميركية على العراق، قبل العودة إلى التوازنات السياسية والأمنية القائمة.
وفي المقابل، يرى الصميدعي أن اللجوء إلى القوة ضد الفصائل الكبيرة قد يهدد بتفجير الخلاف داخل البيت الشيعي، ولذلك تبدو الحكومة حريصة على تجنب هذا السيناريو، في ظل صعوبة فرض نزع السلاح بالقوة من دون تداعيات سياسية وأمنية واسعة.
ويشير إلى إمكانية أن تشهد المرحلة المقبلة اجتماعات ونقاشات داخل البيت الشيعي بشأن مستقبل السلاح خارج مؤسسات الدولة، لكنه يعتقد أن المشكلة الأعمق تتمثل في ارتباط استمرار المنظومة السياسية، وفق تقديره، بوجود قوى مسلحة قادرة على توفير مظلة نفوذ وحماية سياسية لها.
ويخلص الصميدعي إلى أن هذه المعادلة تجعل حصر سلاح الفصائل خارج الدولة أكثر تعقيداً من كونه قراراً حكومياً منفرداً، لأن تنفيذه يصطدم بتوازنات سياسية وأمنية متجذرة، الأمر الذي قد يجعل موعد 30 أيلول بداية لمرحلة تفاوض جديدة بدلاً من أن يكون موعداً نهائياً لنزع السلاح.