جريدة/..

أعاد الجدل المتصاعد بشأن وضع منطقة جرف الصخر إلى الواجهة أسئلة قانونية وأمنية وسياسية تتعلق بحدود سيادة الدولة على المناطق المغلقة منذ سنوات، والجهة التي تملك حق تصنيف أي منطقة داخل العراق باعتبارها «أمناً قومياً» أو تحديد طبيعة انتشار القوات فيها.

ويؤكد المتخصص في الشؤون الأمنية سيف رعد أن لا وجود لأي تفويض قانوني يمنح فصيلاً مسلحاً حق اعتبار جرف الصخر منطقة أمن قومي خاصة به، مشيراً إلى أن المنطقة تخضع قانونياً لسيادة الدولة وإدارياً لمحافظة بابل، وأمنياً للقيادات العسكرية المرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة.

ويرى رعد في تصريح لـ “جريدة”، أن الحكومات العراقية المتعاقبة تجنبت إصدار تصنيف رسمي يعزل جرف الصخر أو يقر بوضع استثنائي لها، معتبراً أن هذا التجنب يرتبط برغبة الدولة في عدم الاعتراف رسمياً بوجود مناطق خارج السيطرة الفعلية للحكومة، لما يمكن أن يسببه ذلك من إحراج سياسي وقانوني أمام المجتمع الدولي.

وتعود جذور الوضع الحالي في جرف الصخر إلى ظروف الحرب على تنظيم داعش الإرهابي بعد عام 2014، إذ تحولت المنطقة، بحكم موقعها الجغرافي الذي يربط بغداد والأنبار وبابل وكربلاء، إلى نقطة ارتكاز عسكرية ذات أهمية استراتيجية، قبل أن تفرض فصائل مسلحة نفوذاً واسعاً عليها مستفيدة من ظروف الحرب وتداخل الصلاحيات الأمنية والعسكرية.

وبحسب رعد، تشير تقارير استخبارية متداولة إلى استخدام المنطقة لأغراض عسكرية، بما في ذلك وجود مستودعات ومنشآت وخطوط تصنيع، فضلاً عن تقارير تتحدث عن وجود عناصر أجنبية فيها، وهو ما يزيد من حساسية الملف وارتباطه بالتوترات الإقليمية والدولية.

ويضيف أن أهمية جرف الصخر لا تقتصر على الداخل العراقي، إذ تنظر إليها إيران وحلفاؤها باعتبارها نقطة ارتكاز استراتيجية ضمن شبكة نفوذ مرتبطة بمحور المقاومة، الأمر الذي يجعل أي محاولة لإعادة فرض السيطرة الحكومية عليها بالقوة ملفاً شديد التعقيد.

وفي المقابل، تواجه حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي معادلة صعبة بين التزاماتها الدولية والإقليمية، ولا سيما ما يتعلق بتحييد العراق عن الصراع الأميركي الإيراني، وبين الضغوط الاقتصادية والمالية الداخلية، فضلاً عن التوازنات السياسية التي تشكلت على أساسها الحكومة والنفوذ الذي تتمتع به بعض الفصائل المسلحة.

ويعتقد رعد أن فتح ملف جرف الصخر عسكرياً من دون توافق سياسي مسبق قد يؤدي إلى مواجهة داخلية تسعى الحكومة إلى تجنبها، مرجحاً أن يجري التعامل مع الملف عبر التفاوض السياسي والقنوات المغلقة بدلاً من التصعيد العسكري أو إصدار تصنيفات رسمية علنية.

ويشير إلى أن المواقع والانتشار العسكريين ليست أوضاعاً ثابتة، وأن إعادة تنظيم القطاعات والقيادات والقوات داخل المناطق العسكرية أمر طبيعي مع تغير الظروف الأمنية، ما يعني أن بقاء أي جهة مسلحة في جرف الصخر لسنوات لا يمنحها، بحد ذاته، سنداً قانونياً دائماً للسيطرة عليها.

وبينما تبقى جرف الصخر تحت السيادة القانونية للدولة، فإن التحدي الحقيقي، بحسب رعد، يتمثل في كيفية ترجمة هذه السيادة على أرض الواقع، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية وإقليمية تجعل أي خطوة أحادية الجانب محفوفة باحتمالات التصعيد