بقلم: هديل نوري إبراهيم | قسم الإعلام – جامعة سامراء

​تُعدّ الألعاب في أصلها نشاطًا ذهنيًا وبدنيًا يمارسه الإنسان، كبارًا وصغارًا، لتلبية احتياجات مختلفة كالتعلّم، والترفيه، وتفريغ الطاقة الزائدة. وسواء كانت هذه الألعاب فردية أم جماعية، فقد عرّفها علم النفس قديماً بأنها نشاط يُقصد به تحقيق المتعة والتسلية مجردةً عن تعقيدات الواقع.

​غير أنه مع الطفرة التكنولوجية المتسارعة في عصر العولمة، شهدت الألعاب الإلكترونية تحولاً جذرياً؛ إذ لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل باتت تشكّل خطراً يهدد المستقبل الفكري والنفسي للأطفال. فقد أتاح الانتشار الواسع للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية وصولاً سهلاً ولحظياً لشبكة الإنترنت العالمية، مما نقل هذه الألعاب من أجهزة الحاسوب الثابتة قديماً إلى أيدي الجميع وفي كل وقت. ونتيجة لذلك، اندمج الأطفال والمراهقون في عوالم افتراضية أخذت تستنزف معظم أوقاتهم، وتبعدهم تدريجياً عن منظومة القيم والأخلاقيات الأسرية دون وجود رقابة واعية.

​وتكمن الخطورة في أن هذه المرحلة العمرية هي مرحلة تشكّل الوعي وبناء الذاكرة الصورية لدى الطفل؛ حيث يمتص عقله مشاهد وأفكاراً وسلوكيات تفوق مستواه العمري والاستيعابي، مما ينعكس مباشرة على تصرفاته في الواقع.

​وتعدّ لعبة “بابجي” (PUBG) -أو ما يُعرف بالحرب الخاصة في أرض المجهول- نموذجاً بارزاً للألعاب الأكثر انتشاراً وتأثيراً بين أوساط الشباب والأطفال. تقوم فكرة اللعبة على صراع بقاء ملحمي وسط أجواء قتالية، حيث يتوجب على اللاعب جمع الأسلحة والذخيرة وتصفية أكبر عدد ممكن من المنافسين ليكون هو “البطل الوحيد” في النهاية. هذه الاستراتيجيات القائمة على العنف والقتل تُرسخ لدى الطفل سلوكيات عدوانية ونمط حياة سلبي، وهو ما ألقى بظلاله على المجتمع العراقي أسوة بغيره من المجتمعات التي تعاني من الآثار الناجمة عن هذه الظاهرة.

​ولا تقتصر أضرار هذه الألعاب على الجانب السلوكي فحسب، بل تمتد لتشمل أضراراً صحية ونفسية جسيمة. فالإدمان عليها يؤدي إلى قلة النوم، والكسل، والصداع، ومشاكل السمع جراء استخدام المؤثرات الصوتية العالية، فضلاً عن العزلة الاجتماعية عن العائلة والعالم الخارجي. وغالباً ما يستمر اللعب لساعات طويلة متأخرة من الليل بعيداً عن أعين الأهل، مما يقطع تواصل الطفل مع محيطه الأسري، ويزيد من الفجوة والتفكك داخل الأسرة، وهو ما انعكس سلباً حتى على الاستقرار الأسري بشكل عام.

​ختاماً، يستدعي هذا الواقع الرقمي الجديد انتباهاً جاداً ورعاية واعية من قِبل الأسرة لمتابعة الأطفال والمراهقين، وتوجيههم نحو السلوكيات الإيجابية التي تبني شخصياتهم. إن البديل يكمن في تشجيع القراءة، والاهتمام بالنظام الصحي والرياضة، وتعزيز الأنشطة الذهنية والاجتماعية التي تجمع الأسرة في أوقات الفراغ، وتقليل ساعات الشاشة لصالح تنشئة جيل واعدٍ، خَلوق، ومترابط اجتماعياً.