جريدة/..

إذا نظرنا الى الصيغة التي أُعلن عنها اليوم، فإن الاتفاق الاستراتيجي للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان يمثل تحولًا كبيرًا في بنية الأمن الإقليمي. فهو ليس مجرد اتفاق تعاون عسكري، بل إطار ردع جماعي ثلاثي يجمع بين ثلاث ركائز مختلفة: القوة الاقتصادية السعودية، والقدرات الصناعية والعسكرية التركية، والقدرة النووية والجيش الكبير لباكستان. ووفق ما أعلنته الأطراف، ينص الاتفاق على أن أي اعتداء على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً على جميعها، مع توسيع التعاون في مجالات التدريب والاستخبارات والصناعات الدفاعية.

هذا الاتفاق جاء لابراز ثلاثة معطيات أصبحت واضحة بعد الحرب على ايران:

الاول- أن القواعد العسكرية الامريكية في الشرق الاوسط لن تعود الى ما كانت عليه من قبل، لا حجما ولا وظيفة، واصبح واضحا انها فشلت باقناع دول الاقليم انها تشكل عاملا مطمئنا للعالم العربي والاسلامي. بل تحولت ال عامل مزعزع للامن القومي لدول الاقليم.

الثاني- أن اسرائيل بعد الحرب على ايران ولبنان وغزة، قد فقدت هيمنتها العسكرية أحادية الجانب في الاقليم، ولا تستطيع أن تلعب دور الوكيل الاستراتيحي لحماية مصالح الغرب والولايات المتحدة الامريكية في الشرق الاوسط.

والثالث- أن الولايات المتحدة بعد فشلها بتحقيق اهدافها في ايران، تريد التموضع من جديد على اساس ادراكها ؛ أن ايران ستبقى لاعبا اقليميا حتى ولو ضعفت، وأن اسرائيل لم تعد كافية لوحدها لضمان مصالحها الاقتصادية والنفطية وتحتاج الى المحور المتصاعد والمكون من الباكستان والسعودية وتركيا ومصر وقطر وسوريا الجديدة، حتى وإن أقلق ذلك حليفتها اسرائيل.

فمن منظور الردع العسكري
يشكل الاتفاق محاولة لإنشاء مظلة ردع إقليمية خارج الأطر الغربية التقليدية. وتمتلك الدول الثلاث عناصر قوة متكاملة،
فالسعودية تمتلك موارد مالية ضخمة وقدرة على تمويل برامج التسلح والاستثمار الدفاعي.
وتركيا تملك قاعدة صناعات دفاعية متقدمة (المسيّرات، السفن، الصواريخ، المدرعات) وجيش هو الثاني في حلف الناتو من حيث الحجم.
أما الباكستان فتملك قوة نووية وخبرة عسكرية كبيرة وجيشًا من أكبر جيوش العالم.
الفكرة الأساسية هي أن الجمع بين هذه المزايا يرفع كلفة أي هجوم على أي طرف من أطراف الاتفاق.

ماذا يعني هذا لإسرائيل وإيران؟

من المبكر الجزم بتأثيراته العملية، لكن يمكن الترجيح
أن إيران قد تنظر إليه باعتباره محاولة لتشكيل توازن إقليمي جديد، حتى وإن أكدت الدول الثلاث أن الاتفاق دفاعي وليس موجهًا ضد دولة بعينها. وعينها بالاستس على لبنان زاليمن والعراق وفلسطين.

أما إسرائيل ستتابع الاتفاق باهتمام لأنه يجمع ثلاث دول ذات ثقل عسكري وسياسي، وقد يؤثر في حسابات الردع الإقليمية، خصوصًا إذا تطور إلى تعاون عملياتي واسع. ومما يزيد القلق الاسرائيلي، اقرار صفقة تزويد طائرات إف- ٣٥ الامريكية لتركيا، واقرار برنامج امريكي لاقامة المفاعل النووي المدني للعربية السعودية.

أمام ذلك، فالولايات المتحدة لن تعارض مثل هذا المسار لان السيناريوهات الاخرى أمامها أكثر ضررا، والجانب الايراني سيرى بذلك محاوله لملء فراغ لمحور صاعد وتأثير ذلك على مصالحها في المشهد اليمني واللبناني والعراقي. اما اسرائيل فستذهب بأتجاه تطوير تحالف عسكري مع قبرص واليونان واذربيجان ومن الممكن مع بعض الاطراف الخليجية لمواجهة هذا التطور.

الخلاصة-الاتفاق يعبر عن مسار بدء تشكيل خارطة تحالفات اقليمية جديدة في اليوم الثاني بعد الحرب على ايران. السؤال المفتوح: هل ستلنحق جمهورية مصر العربية لهذا المحور، أم انها ستسعى الى اقامة محور عربي- خليجي جديد يتعامل مع المحاور الاخرى؟. فالاتفاق ليس نهاية مسار، وانما بداية لتشكيل خارطة جديدة لاقليم متعدد الاقطاب.!

سهيل دياب- الناصرة
د/ العلوم السياسية

7.8.2026