أزمة النكوص المؤسساتي في البرلمان العراقي – بقلم صفاء الاسدي

بقلم: صفاء الأسدي

في كل استحقاق انتخابي، ومع انقضاء دورة نيابية تلو الأخرى، يتجدد النقاش حول مستوى الأداء التشريعي والرقابي لمجلس النواب العراقي.
ويذهب كثير من المحللين والمهتمين بالشأن العام إلى توصيف هذا الأداء بأنه يشهد “نكوصاً مؤسساتياً” مستمراً، حيث تبدو كل دورة نيابية وكأنها تتراجع عن مستوى سابقتها، في ظاهرة لا تتوقف عند حدود الأداء الفردي بل تمتد لتضرب صميم المنظومة السياسية والتشريعية في البلاد.

إن هذا التراجع الخطير لا يمكن فهمه أو تفسيره بمعزل عن طبيعة النماذج التي يتم انتخابها لشغل مقاعد السلطة التشريعية، والتي تشكل جوهر الأزمة ومصدر الخلل الهيكلي في العملية السياسية برمتها.

يبرز في هذا السياق نموذج “نائب الاستعراض الرقمي”، الذي يضع الشهرة والتفاعل الرقمي هدفاً أسمى من العمل المؤسساتي.

ينحصر اهتمامه في عدد المشاهدات والتعليقات على منصات التواصل الاجتماعي، مما يدفعه إلى اصطناع الأزمات وفبركة المواقف المثيرة للجدل، وتصوير مقاطع فيديو هدفها الإثارة الآنية لا المعالجة التشريعية أو الرقابية العميقة.

يمثل هذا النموذج خطراً حقيقياً على جدية الخطاب السياسي، إذ يسهم في تسطيح القضايا الوطنية وتحويلها إلى مادة للاستهلاك السريع، مستغلاً العاطفة الشعبية ولاعباً على وتر الخوف والطموح، بما يصرف انتباه الجمهور عن القضايا الحقيقية المتعلقة بالسياسات العامة والتشريعات المصيرية.

وفي الضفة الأخرى، يقبع نموذج لا يقل خطورة، هو نائب “الدعوى القضائية” وتسييس الأدوات القانونية، الذي يتمركز عند أبواب المؤسسات القضائية متقمصاً دور المدعي العام أو المحامي، مكثراً من تقديم الإخبارات ضد الخصوم السياسيين أو المسؤولين الحكوميين.
وعلى الرغم من أن الإخبار حق مكفول، فإن الاستخدام المفرط والمسيّس لهذه الأداة يهدف إلى إرباك المشهد السياسي وتآكل مبدأ الفصل بين السلطات.
هذا النائب يوهم قاعدته الانتخابية بأنه يتخذ إجراءات قانونية حاسمة، بينما هو في الحقيقة يستخدم القضاء ساحةً لتصفية الحسابات السياسية، ولا سيما أن إخباراته غالباً ما تُلبَس لبوساً طائفياً أو حزبياً يحوّله إلى أداة استقطاب بعيدة عن دوره الأصيل في تمثيل ناخبيه.

وثمة نموذج ثالث يشوّه وظيفة التمثيل من زاوية مغايرة، هو نائب “الخدمات الضيقة”، الذي يختزل وظيفته التشريعية والرقابية في مهام تنفيذية محلية ضيقة، فيتصرف وكأنه موظف بلدية لا عضو في سلطة تشريعية عليا.

ينحصر كل همه في تأمين محولة كهرباء أو سيارة ماء أو تبليط شارع في منطقة معينة.

هذا الخلط الفاضح للأدوار بين السلطتين التشريعية والتنفيذية لا يهدف في حقيقته إلا إلى الحفاظ على القاعدة الانتخابية عبر نظام الزبائنية السياسية، مما يعيق النائب عن ممارسة وظيفته الحقيقية في صياغة السياسات العامة ومراقبة الأداء الحكومي على المستوى الوطني، ويكرّس ثقافة النائب المحلي على حساب نائب الدولة.

غير أن أكثر هذه النماذج إضراراً ببنية الدولة هو نموذج “نائب الابتزاز البرلماني”، حين يدخل النائب البرلمان باستثمار مالي مدروس، سواء عبر شراء الأصوات أو رصد الأموال الطائلة في الحملات الانتخابية، ليتحول مقعده النيابي بعد الوصول إلى أداة ابتزاز للأشخاص والشركات والمؤسسات، مستتراً بالحصانة البرلمانية درعاً.

دافع هذا النموذج لدخول البرلمان ليس المصلحة العامة بل تحقيق المكاسب التجارية والشخصية، مما يقوّض مبادئ النزاهة والشفافية، ويحول دون إقرار قوانين مكافحة الفساد الفعالة، ويجعل من البرلمان بيئة خصبة لتشريع المصالح الخاصة على حساب المصلحة الوطنية.

ولعل المشهد لا يكتمل دون الإشارة إلى النموذج الخامس، “نائب التبعية الصامتة”، الذي يصل إلى قبة البرلمان بدعم مطلق من الكتل السياسية المتنفذة، ويبقى طوال الدورة النيابية بلا أثر يُذكر؛ لا مداخلة فاعلة، ولا موقف سياسي مستقل، ولا رأي واضح في القضايا المصيرية.

هذا النائب ليس سوى رقم يُضاف إلى رصيد كتلته، مهمته الوحيدة رفع يده عند الطلب في لعبة توزيع المناصب والمكاسب.
يمثل هذا النموذج أزمة عميقة في استقلالية القرار التشريعي، ويكرّس مبدأ الولاء للكتلة على حساب الولاء للشعب والدولة، منتجاً برلماناً ضعيف الإرادة غير قادر على مساءلة الحكومة أو إدراك دوره الرقابي الحقيقي.

إن وجود هذه النماذج مجتمعةً هو ما أنتج حالة النكوص التشريعي والرقابي التي يعيشها العراق اليوم.
وبرلمان بهذه التركيبة لا يمكن أن يُنتظر منه إقرار قوانين تخدم الدولة والمواطن، ولا ممارسة رقابة حقيقية على الأداء الحكومي. بل إن الخطر يتجاوز ذلك ليطال عملية تشكيل السلطات العليا، فإذا كانت هذه المؤسسة هي التي تمنح الثقة للحكومة وتنتخب رئيس الجمهورية، فمن الطبيعي التساؤل:
أي رئاسة ستُنتج؟
وأي حكومة ستُشكَّل؟
وأي وزراء سيُسلَّطون على البلد؟

إن النكوص يبدأ من قبة مجلس النواب، ولن يتوقف ما لم تتم معالجته من جذوره.

والمعالجة الحقيقية تسير في مسارين متوازيين لا غنى عنهما؛ أولهما رفع مستوى الوعي الجماهيري، إذ يجب أن يدرك المواطن قيمة صوته وأن يذهب إلى صندوق الاقتراع ليختار نائب دولة ونائب شعب لا نائب ابتزاز أو محاباة، وهذا يتطلب جهداً وطنياً تشترك فيه الحكومة والمؤسسات المدنية ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسة الدينية لرفع مستوى النضج الانتخابي.
وثانيهما الإصلاح التشريعي والمؤسساتي عبر إصلاح قانون الانتخابات لتقليل تأثير المال السياسي والتبعية للكتل، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية المستقلة، وتعزيز الشفافية في تمويل الأحزاب، بهدف إنتاج نائب كفؤ يمتلك الرؤية التشريعية ويستمد شرعيته من تمثيله الحقيقي لمئات الآلاف من المواطنين.
حين يتحقق هذا الوعي وهذا الإصلاح، عندها فقط يمكن كسر حلقة النكوص المؤسساتي واستعادة الثقة في السلطة التشريعية ركيزةً أساسية للدولة الديمقراطية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار