الشرق الأوسط في عين العاصفة: قراءة في الحرب المشتركة ضد إيران وتداعياتها العالمية.

بقلم/ عبدالله حسين علي
لم يعد الحديث اليوم عن تهديدات دبلوماسية، بل عن جبهات مشتعلة تمتد من بيروت إلى طهران. فالتنسيق العسكري غير المسبوق بين واشنطن وتل أبيب، والذي تجسد في غرف عمليات مشتركة وضربات طالت هرم السلطة في إيران، يضع المنطقة أمام واقع جديد. ومع إغلاق شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز واغتيال القيادة العليا في طهران، يبدو أننا نشهد إعادة رسم جذرية لخارطة النفوذ في الشرق الأوسط بالحديد والنار.
في تحول دراماتيكي، أعلنت واشنطن مطلع مارس 2026 عن عملية “الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، وهي حملة عسكرية واسعة النطاق استهدفت بدقة الجراحة العسكرية مكامن القوة الإيرانية؛ من المنشآت النووية إلى ترسانة الصواريخ الباليستية. وبينما تؤكد إدارة الرئيس ترامب أن الهدف هو القضاء على “التهديد الوشيك”، فإن لغة الميدان تشير إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إذ لم تستبعد واشنطن أن يكون “تغيير النظام” نتيجة حتمية لهذا الصدام. ورغم فرض السيطرة الجوية الكاملة، إلا أن سقف العمليات يبقى مفتوحاً حتى تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى.
في المقابل، لم تقف طهران مكتوفة الأيدي، بل سارعت إلى تفعيل استراتيجية “الدفاع الهجومي” عبر تحريك كافة أذرعها في المنطقة. فلم تكتفِ إيران بإطلاق رشقات صاروخية باليستية وطائرات مسيرة انتحارية طالت القواعد الأمريكية في دول الجوار، بل دفعت بـ “محور المقاومة” من لبنان إلى اليمن لفتح جبهات استنزاف متزامنة. هذا الرد الميداني الواسع يهدف لإرسال رسالة مفادها أن ثمن “الغضب الملحمي” سيكون باهظاً، وأن بنك الأهداف الإيراني لا يزال يمتلك أوراقاً قادرة على إرباك الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
لم يتوقف الصراع عند حدود النيران، بل امتد ليخنق شريان الاقتصاد العالمي مع إغلاق مضيق هرمز. ومع إعلان العراق والكويت وقف إمداداتهما فعلياً، دخل العالم في منطقة مجهولة، ويرى الخبراء أن لجوء الدول للمخزونات الاستراتيجية لن يكون سوى مسكن مؤقت أمام أزمة لم يشهدها التاريخ الحديث. وكما وصف المحللون الوضع الراهن: “السماء هي الحد” لأسعار النفط التي قد تقفز لمستويات خيالية تضع النظام المالي العالمي على حافة الانهيار.
وفي اللحظة التي كانت فيها الصواريخ تعيد رسم الجغرافيا، شهد الداخل الإيراني زلزالاً سياسياً؛ فبعد تأكيد الأنباء حول مقتل المرشد علي خامنئي، انتقلت السلطة بشكل متسارع إلى ابنه مجتبى خامنئي. هذا التحول يضع النظام أمام اختبار الوجود؛ فبين محاولات القيادة الجديدة لملمة صفوف الحرس الثوري وتثبيت أركان الحكم تحت النيران، وبين غضب الشارع وتصاعد الضغوط الخارجية، تجد إيران نفسها في مواجهة أصعب أيامها منذ عقود.
وعلى الصعيد القانوني، وضعت هذه المواجهة المنظومة الدولية أمام اختبار عسير؛ فبينما تبرر واشنطن وتل أبيب عملياتهما تحت بند “الدفاع الاستباقي عن النفس” لتحييد خطر نووي وشيك، يرى خبراء القانون الدولي في استهداف منشآت سيادية واغتيال قيادات سياسية خرقاً صريحاً لمواثيق الأمم المتحدة. هذا التضارب القانوني ينذر بانهيار ما تبقى من أعراف دولية، حيث أصبحت “لغة القوة” هي المرجعية الوحيدة في ظل عجز مجلس الأمن عن اتخاذ موقف موحد.
ختاماً، إن ما يشهده الشرق الأوسط اليوم هو مخاض عسير لولادة نظام إقليمي جديد. وبين دخان الانفجارات وقلق العواصم الكبرى من انهيار أسواق الطاقة، يبقى السؤال الأهم: هل سيؤدي هذا “الحسم العسكري” إلى استقرار دائم، أم أننا بصدد صراع طويل الأمد سيغير وجه المنطقة والعالم لعقود قادمة؟



