العراق المخطوف  

بقلم/ السياسي سعد عاصم الجنابي 

كيف سيطرت الأحزاب والمليشيات على الدولة بعد 2003 بعد أكثر من عشرين عاماً على سقوط النظام السابق في العراق، لم يعد السؤال الحقيقي من يحكم البلاد، بل كيف تحولت الدولة نفسها إلى ساحة نفوذ تتقاسمها الأحزاب والقوى المسلحة.  

كان الأمل في عام 2003 أن يبدأ العراق مرحلة جديدة من بناء الدولة الحديثة، لكن ما تشكل على أرض الواقع كان نموذجاً سياسياً مختلفاً تماماً: نظام يقوم على المحاصصة وتقاسم النفوذ بين القوى السياسية، لا على بناء مؤسسات قوية ومستقلة.

ومع مرور السنوات، لم تعد الدولة العراقية إطاراً جامعاً يدير المجتمع، بل أصبحت في كثير من الأحيان موضوع تنافس بين الأحزاب والكتل السياسية، الدولة كغنيمة سياسية بدلاً من أن تكون الدولة مؤسسة تخدم المواطنين، أصبحت مؤسساتها في كثير من الأحيان جزءاً من معادلة تقاسم النفوذ.

أما الوزارات، والهيئات، والمناصب العليا فقد تحولت إلى مناطق نفوذ للقوى السياسية المختلفة، وأصبحت الحكومات المتعاقبة نتاج تسويات بين الكتل، أكثر من كونها نتيجة برامج إصلاح حقيقية.

في هذا السياق، تشكلت شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية، حيث ارتبط النفوذ السياسي بالموارد المالية والعقود الحكومية والمشاريع العامة، وهكذا نشأ ما يمكن وصفه بـ اقتصاد النفوذ، حيث تداخلت السياسة مع المصالح الاقتصادية بشكل غير صحي.

السلاح خارج الدولة  إلى جانب نظام المحاصصة، برز عامل آخر أكثر خطورة: وجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة، وهذه الظاهرة أضعفت قدرة المؤسسات الرسمية على احتكار استخدام القوة، وهو أحد الأسس الرئيسية لأي دولة حديثة.

فالدولة التي لا تملك السيطرة الكاملة على أدوات القوة تجد نفسها عاجزة عن فرض القانون أو حماية سيادتها،   ومع الوقت، أدى هذا الواقع إلى تعقيد المشهد الأمني والسياسي في العراق، وأصبح من الصعب الفصل بين السلطة الرسمية ومراكز النفوذ غير الرسمية.

الكفاءات المهدورة واحدة من أكبر خسائر العراق خلال هذه المرحلة كانت تهميش العديد من الكفاءات الوطنية، بدلاً من أن تعتمد الدولة على الخبرة المهنية والإدارية، أصبحت التعيينات في كثير من الأحيان مرتبطة بالولاء السياسي أو الحزبي، و  هذا الواقع أدى إلى تراجع مستوى الإدارة الحكومية، وإلى فقدان الدولة لجزء كبير من طاقاتها البشرية القادرة على الإصلاح.

الدول لا تنهار بسبب نقص الموارد، بل بسبب ضعف الإدارة، أزمة الدولة النتيجة الطبيعية لكل هذه العوامل كانت ظهور أزمة ثقة عميقة بين المواطن والدولة، فالكثير من العراقيين أصبحوا ينظرون إلى المؤسسات الحكومية بوصفها جزءاً من الصراع السياسي، لا مؤسسات تعمل لخدمة المجتمع.

وهذا أخطر ما يمكن أن تواجهه أي دولة، فالدولة التي تفقد ثقة مواطنيها تفقد أساس شرعيتها.

الشرق الأوسط يتغير في الوقت نفسه، يشهد الشرق الأوسط تحولات كبيرة. المنطقة تدخل مرحلة جديدة تقوم على دول أكثر استقراراً ومؤسسات أكثر قوة.

في هذه البيئة الجديدة، لن يكون هناك مكان طويل الأمد للدول التي تعجز عن إصلاح أنظمتها الداخلية.

العراق اليوم يقف أمام هذا التحدي بوضوح. طريق الخروج  إصلاح الدولة العراقية لا يمكن أن يتحقق عبر تغيير الحكومات فقط. المطلوب هو مراجعة عميقة للنموذج السياسي الذي تشكل بعد 2003، وهذه المراجعة يجب أن تقوم على ثلاث خطوات أساسية: إنهاء نظام المحاصصة في إدارة مؤسسات الدولة ، وإعادة الاعتبار للكفاءة المهنية في التعيينات الحكومية وحصر السلاح بيد الدولة وحدها  بدون هذه الخطوات سيبقى العراق عالقاً في نفس الحلقة التي استنزفت طاقاته طوال العقدين الماضيين.

لحظة تاريخية العراق ليس دولة فقيرة أو عاجزة، هو بلد يمتلك ثروات هائلة وموقعاً جغرافياً استراتيجياً ومجتمعاً شاباً،   لكن تحويل هذه المقومات إلى قوة حقيقية يتطلب دولة قادرة على إدارة نفسها، السؤال الذي يواجه العراق اليوم ليس فقط من يحكم، بل هل تستطيع الدولة أن تستعيد نفسها من قبضة نظام تقاسم النفوذ الذي نشأ بعد 2003، فاللحظات التي تعيد تشكيل الدول لا تتكرر كثيراً، والعراق يقف الآن أمام واحدة من تلك اللحظات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار