فيما مضى… زمنٌ كان لنا

بقلم/ عبدالباسط رزوق

تمرّ بنا الأيام، فتأخذ من أرواحنا شيئًا من البساطة التي عشناها، وتترك لنا ذكرياتٍ نتشبّث بها كلما ضاقت بنا الحياة. نسترجعها لنقيس بها الفرق بين الأمس واليوم، ونكتشف كم تغيّرنا وكم تغيّر العالم من حولنا.

في ما مضى…
كانت لنا حياةٌ عشناها بفطرةٍ سليمة في مقتبل أعمارنا؛ حياةٌ امتلأت بالراحة والأمان والمحبة والاستقرار. لم نذق طعم التعب رغم ما بذلناه من عمل، ولم نفترق مهما بلغ الخلاف بيننا. مرت أعوامٌ كان مرّها أكثر من حلوها، كنا نجتمع فيها حول مائدةٍ واحدة، تجمعنا يد أبينا وحنان أمنا، وهما يتبادلان نظرات الفخر والمحبة نحونا. كانت أعينهما تتحدث دون كلمات: لقد استطعنا، بقدرة الله ثم بقدرتنا، أن نكوّن تلك الأسرة، وأن نبقي تلك المائدة عامرة لا ينقص خيرها ولا يتفرقون الاخوة مهما تعددت الأسباب.

لقد كان في ذلك الزمن شيءٌ بسيطٌ يجلب خيرًا وفيرًا؛ فحين تشرق الشمس، يبدأ يومٌ جديدٌ تبني فيه حلمك ومستقبلك، وحين يأتي الليل، تنام مطمئنًا وأنت تنظر إلى السماء وترى خلف تلك النجوم الساطعة أمانًا دامسًا يريح بدنك.

آنذاك، كان من يجلب لك الرزق هو صدقك، ومن يهبك العافية هو نقاء قلبك وخلوّه من النفاق، ومن يجعلك محبوبًا بين أهلك وناسك هو محبتك للغير

أما اليوم…
لقد تغيّر كل شيء. أصبح الوقت أسرع من أن نلاحقه، وصارت الحياة أصعب من أن نحيط بها. انتشر النفاق والكذب، وندر الصدق. بتنا نلهث خلف مشقات الحياة وراء ما هو فانٍ وزائل، غير آبهين إن كان ما نحصل عليه حلالًا أم حرامًا؛ فالأهم عند البعض أن يراه الناس بملابس جميلة وسيارات فخمة وبيوتٍ مشيدةٍ بطرازٍ فاخر. همه الوحيد أن ينعم بالراحة، ولو على حساب القيم والمبادئ.

انقطع سبيل المعروف، وانعدمت مساعدة المحتاج. تفرّقت الإخوة، وتحطّم ما تم بناؤه في سنين. انقسمت المائدة التي كانت تجمعنا إلى أرباعٍ متفرّقة، واحتبست الشمس لتضرّ لا لتنفع، وغابت النجوم تحت غبارٍ كثيفٍ فمحا سطوعها.

حتى أنا… لم أعد كما كنت. لازمني الصمت والرضا، وأصبحت أتجاهل كل الأمور المتعبة، طلبًا لراحة بالٍ ليس إلا.

اما الختام ورغم كل شيء، سيبقى في داخلنا ذلك الطفل الذي ذاق طعم الأمان ذات يوم. ما زلنا نؤمن أن بعض الخير لم ينطفئ، وأن ما مضى قد يعود ولو بنسخةٍ أبسط، إذا صدقنا أنفسنا وأصلحنا ما حولنا.. فما أجمل أن نعيش كما كنّا، ولو للحظات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
آخر الأخبار