جريدة |…
في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية، أجرى رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، الأربعاء، زيارة رسمية إلى العاصمة السورية دمشق، التقى خلالها الرئيس السوري أحمد الشرع، وترأس الجانبان مباحثات موسعة بين وفدي البلدين، تناولت تطوير الشراكة الثنائية وتعزيز التعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك.
وتكتسب الزيارة أهميتها من كونها أول زيارة رسمية لرئيس وزراء عراقي إلى دمشق في ظل الإدارة السورية الجديدة، التي تشكلت عقب سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، بما يجعلها محطة مفصلية في مسار إعادة ترتيب العلاقات بين بغداد ودمشق، بعد سنوات من الاضطراب والتباعد السياسي وتراكم الشكوك المتبادلة.
لكن أهمية الخطوة لا تكمن في انعقاد اللقاء بحد ذاته، بل في الرسائل التي يحملها بشأن قدرة العراق على التعامل مع التحولات المحيطة به من منظور المصالح الوطنية، بعيداً عن أسر الخصومات السابقة أو تحويل الخلافات السياسية إلى حواجز دائمة أمام التواصل بين الدول.
كسر حواجز الماضي.. من القطيعة السياسية إلى اختبار المصالح
ويرى باحثون ومراقبون ان زيارة الزيدي تأتي في سياق إقليمي مختلف عن المراحل السابقة، إذ شهدت سوريا تحولات عميقة في بنيتها السياسية، فيما تواجه المنطقة تحديات أمنية واقتصادية متشابكة تفرض على دولها مراجعة حساباتها وإعادة تقييم علاقاتها، استناداً إلى الوقائع الجديدة ومتطلبات الاستقرار.
وفي هذا السياق، يمكن قراءة الزيارة بوصفها انتقالاً من التعامل مع سوريا باعتبارها ملفاً خلافياً محكوماً بإرث الماضي، إلى التعامل معها باعتبارها دولة جارة ترتبط بالعراق بحدود طويلة ومصالح اقتصادية وأمنية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
لقد أسهمت سنوات الصراع السوري والاستقطاب الإقليمي في ترسيخ صور متباينة عن سوريا، وأصبحت العلاقة معها في بعض الأوساط العراقية موضع تجاذب سياسي وأيديولوجي، تجاوز في أحيان كثيرة النقاش الموضوعي بشأن مصالح البلدين. ومن هنا، فإن توجه الزيدي إلى دمشق يحمل رسالة مفادها أن إدارة العلاقات الخارجية لا ينبغي أن تبقى رهينة الأحكام المسبقة أو حملات التخويف والتشويه، بل يجب أن تستند إلى تقييم واقعي للمتغيرات والفرص والمخاطر.
ولا يعني هذا التوجه محو الذاكرة السياسية أو تجاوز الملفات العالقة، كما لا يمثل حكماً مسبقاً على نجاح العلاقة الجديدة، وإنما يفتح الباب أمام اختبارها عملياً، على أساس المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة والنتائج القابلة للقياس.
وبهذا المعنى، فإن كسر حواجز الماضي لا يتحقق بمجرد زيارة رسمية، بل يبدأ بقرار سياسي يتيح الحوار، ويمنح المصالح المشتركة فرصة للتقدم على حساب القطيعة، مع إبقاء الملفات الخلافية والأمنية ضمن إطار مؤسساتي واضح.
الجغرافيا تفرض شراكة لا يمكن تجاهلها
لا يستطيع العراق وسوريا التعامل مع بعضهما بوصفهما دولتين منفصلتين عن محيطهما الجغرافي؛ فبينهما حدود ممتدة، وروابط اجتماعية وعشائرية وتاريخية، وممرات تجارية يمكن أن تتحول إلى أدوات تنمية إذا توافرت الإرادة السياسية والضمانات الأمنية اللازمة.
وتمنح هذه المعطيات زيارة الزيدي بعداً استراتيجياً، إذ إن استقرار سوريا ينعكس على البيئة الأمنية للعراق، مثلما يؤثر استقرار العراق في أمن سوريا ومصالحها الاقتصادية. كما أن أي فراغ أمني على الحدود المشتركة قد يوفر فرصاً لشبكات التهريب والجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، وهي تحديات لا تستطيع المعالجة المنفردة احتواءها بصورة مستدامة.
ومن هذا المنطلق، يصبح التنسيق الأمني بين بغداد ودمشق ضرورة عملية، لا مجرد عنوان دبلوماسي. ويشمل ذلك ضبط الحدود، وتبادل المعلومات، ومواجهة تنظيم داعش، ومنع تسلل المسلحين، ومعالجة الملفات الأمنية والقضائية المشتركة، بما يحفظ سيادة البلدين ويعزز قدرة مؤسساتهما الرسمية على فرض القانون.
وتبرز هنا أهمية بناء الثقة على أساس الإجراءات الملموسة، لأن العلاقات الأمنية المستقرة لا تُقاس بالتصريحات وحدها، وإنما بمدى قدرة الطرفين على منع التهديدات العابرة للحدود والاستجابة لها بصورة مشتركة.
النفط والموانئ.. مصالح اقتصادية تتجاوز الحسابات السياسية
احتل التعاون الاقتصادي والطاقة جانباً مهماً من المباحثات العراقية السورية، ولا سيما بحث تصدير النفط العراقي عبر خط بانياس، الذي تصل طاقته التصديرية المستهدفة إلى مليوني برميل يومياً، وفق ما أورده المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء بشأن المباحثات.
وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية بالنسبة إلى العراق، الذي يعتمد اقتصاده بدرجة كبيرة على صادرات النفط، ما يجعل تنويع منافذ التصدير أحد عناصر حماية الإيرادات الوطنية وتقليل التعرض للمخاطر المرتبطة بالأزمات الإقليمية وتعطل طرق الملاحة.
ومن شأن تطوير المسارات البرية والأنابيب النفطية باتجاه الساحل السوري، إذا استُكملت متطلباته الفنية والاقتصادية والأمنية، أن يمنح العراق خيارات إضافية للوصول إلى الأسواق الخارجية، فيما يمكن أن تستفيد سوريا من رسوم العبور والاستثمارات في البنية التحتية وتنشيط قطاعات النقل والطاقة والخدمات.
ولا يقتصر التعاون المحتمل على النفط، بل يمتد إلى التجارة والنقل والزراعة والمياه والاستثمار، وهي قطاعات يمكن أن تؤسس لتكامل اقتصادي تدريجي، خصوصاً في ظل ما تمتلكه الدولتان من موارد وأسواق واحتياجات متبادلة.
غير أن تحويل هذه الفرص إلى نتائج فعلية يتطلب دراسات جدوى دقيقة، واتفاقات واضحة بشأن الكلف والتمويل والتشغيل، فضلاً عن ضمانات أمنية وقانونية تحمي الاستثمارات وتمنع تحول المشاريع المشتركة إلى وعود مؤجلة.
وهنا تحديداً تتضح قيمة المقاربة القائمة على المصالح: فبدلاً من إبقاء العلاقة أسيرة المواقف السياسية المتقلبة، يمكن بناء مصالح اقتصادية متبادلة تجعل التعاون أكثر استدامة، وتمنح الطرفين حوافز عملية للحفاظ على الاستقرار.
المعادلة الإقليمية.. بغداد تبحث عن مساحة أوسع للحركة
تأتي زيارة دمشق عقب تحركات إقليمية للزيدي شملت السعودية والأردن، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى تنويع العلاقات الإقليمية وتوسيع قنوات الحوار، وسط اضطرابات أمنية واقتصادية وتنافس على الممرات التجارية ومصادر الطاقة.
وتشير هذه التحركات إلى أهمية بناء شبكة علاقات متوازنة مع دول الجوار، بما يتيح للعراق حماية مصالحه الاقتصادية والأمنية، ويعزز قدرته على التعامل مع الأزمات دون الارتهان لمسار إقليمي واحد.
ومن هذا المنظور، لا ينبغي النظر إلى الانفتاح على دمشق باعتباره ابتعاداً عن طرف إقليمي لمصلحة آخر، أو اصطفافاً تلقائياً مع محاور متنافسة، بل بوصفه اختباراً لقدرة السياسة العراقية على إدارة علاقات متعددة في آن واحد، وفق معيار المصلحة الوطنية واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
كما أن تعزيز التواصل العراقي السوري قد يتيح لبغداد أداء دور أكثر فاعلية في دعم الاستقرار الإقليمي، شريطة أن يستند هذا الدور إلى تفاهمات واقعية، وألا يتحول الانفتاح الدبلوماسي إلى التزامات تتجاوز قدرة العراق أو مصالحه.
وتبقى قدرة بغداد على الحفاظ على توازن علاقاتها مرهونة بوضوح أولوياتها، واستقلال قرارها، ونجاحها في تحويل التواصل السياسي إلى تفاهمات عملية قابلة للتنفيذ.
رسالة سياسية تتجاوز حدود اللقاء
حمل اللقاء أيضاً دلالة سياسية في تأكيد رئيس الوزراء العراقي أن الشعبين العراقي والسوري «شعب واحد في بلدين»، مع التشديد على تطوير الشراكة الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز التعاون الأمني، وتوحيد المواقف إزاء القضايا الإقليمية والدولية، والعمل من أجل السلام والاستقرار في المنطقة.
وتعكس هذه الرسالة توجهاً نحو إعادة تقديم العلاقة العراقية السورية بوصفها علاقة جوار ومصالح مشتركة، لا مجرد امتداد للخلافات التي أنتجتها مراحل الصراع السابقة.
لكن الاختبار الحقيقي لهذا التوجه سيبقى في ما ستنتجه الزيارة من خطوات تنفيذية: هل ستتقدم مشاريع الطاقة والتجارة؟ وهل ستترجم التفاهمات الأمنية إلى آليات تنسيق منتظمة؟ وهل سيتمكن الطرفان من معالجة الملفات الحساسة بما يحفظ مصالح العراق وأمنه وسيادته؟
الواقعية السياسية بوابة إعادة بناء العلاقة
تفتح زيارة علي الزيدي إلى دمشق نافذة جديدة في العلاقات العراقية السورية، وتمنح البلدين فرصة لإعادة بناء التواصل على أساس المصالح المشتركة ومتطلبات المرحلة الإقليمية.
وتكمن دلالتها الأبرز في تجاوز الحواجز السياسية والنفسية التي راكمتها سنوات الصراع، ورفض التعامل مع سوريا من خلال صورة ثابتة لا تتغير بتغير الوقائع. فالانفتاح لا يعني تبرئة الماضي أو تجاهل المخاطر، كما أن الحذر لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة دائمة تمنع استثمار فرص التعاون.
لقد اتخذ الزيدي خطوة سياسية تنقل العلاقة إلى مرحلة جديدة من الحوار المباشر، واضعاً ملفات الأمن والطاقة والتجارة والاستقرار في صلب التواصل بين بغداد ودمشق. أما نجاح هذه الخطوة، فسيظل مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل الرسائل السياسية إلى اتفاقات واضحة، ومشاريع نافعة، وتعاون يحمي مصالح الشعبين.
وبين إرث الماضي ومتطلبات الحاضر، تبدو الرسالة الأساسية للزيارة أن الجغرافيا لا تتغير، والمصالح لا تنتظر طويلاً، وأن بناء العلاقات بين الدول لا يتطلب نسيان الخلافات بقدر ما يتطلب إدارتها بعقلانية، ومنعها من التحول إلى عائق دائم أمام الاستقرار والتنمية.