بقلم: الدكتور حازم الأسدي
باحث في الاقتصاد السياسي

عندما توقع السعودية وتركيا وباكستان اتفاقا للدفاع المشترك في مكة، ثم يجتمع ممثلوها مع إيران في طهران لبحث ترتيبات الأمن الإقليمي، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا في العراق ليس فقط لماذا لم نكن حاضرين، بل ماذا نملك أصلا لنكون طرفا مؤثرا في هذه الترتيبات؟
ما يجري ليس تحالفا رباعيا مكتملا، ولا يمكن الجزم بأنه بداية لنظام أمني جديد، لكنه يكشف اتجاها يستحق التوقف عنده. دول تجمع بين بناء أدوات الردع العسكري وفتح قنوات التفاوض مع خصومها، في محاولة لتقليل كلفة الصراع وضبط التهديدات التي تجاوزت حدود الدول وأصبحت تطال الطاقة والملاحة والبنية التحتية

في هذه المعادلة تمتلك كل دولة أوراقا مختلفة.

السعودية تمتلك الثروة والطاقة والاستثمارات والنفوذ الديني والسياسي، وباكستان تمتلك السلاح النووي والصناعات الدفاعية، وتركيا بنت قاعدة صناعية عسكرية وقدرة على التأثير في ملفات الأمن الإقليمي، أما إيران فتمتلك قدرات صاروخية ونفوذا مسلحا خارج حدودها، إضافة إلى قدرتها على تهديد الملاحة في مضيق هرمز، وإن كانت هذه القدرة تحمل كلفة اقتصادية وعسكرية كبيرة عليها أيضا
هذه الدول لا تمتلك قوة متساوية، ولا تتطابق مصالحها، لكنها تدخل التفاوض بأدوات تستطيع توظيفها لفرض حساباتها أو حماية مصالحها.

أما العراق، فماذا يمتلك؟

يمتلك العراق احتياطيات نفطية مثبتة تقدر بنحو 145 مليار برميل، ويعد من كبار منتجي النفط في منظمة أوبك،ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي الصادرة في يوليو 2025، بلغت صادراته المتوقعة لذلك العام نحو 3.5 ملايين برميل يوميا، بإيرادات نفطية مقدرة بنحو 84.2 مليار دولار، ويمتلك موقعا جغرافيا يصل الخليج بتركيا وأوروبا، ويقع عند تقاطع المصالح الإيرانية والتركية والعربية والأميركية، وهذه ليست موارد هامشية، بل مقومات دولة تستطيع أن تكون لاعبا اقتصاديا وأمنيا مهما

لكن المشكلة هنا أن امتلاك الموارد شيء، وتحويلها إلى قوة تفاوضية شيء آخر، فالعراق يبيع النفط لتمويل الدولة”بيع نفط و يصرف رواتب”، بينما توظف دول أخرى مواردها لبناء أدوات القوة التي تحمي الدولة وتوسع نفوذها، وحتى تتضح الصورة، فإن الاعتماد العراقي على النفط لا يمثل مجرد مشكلة اقتصادية داخلية، إنه أحد أهم مصادر الانكشاف الاستراتيجي أمام الصراعات الإقليمية
لنفترض أن العراق يصدر 3.5 ملايين برميل يوميا بسعر 70 دولارا للبرميل، ونحن نتحدث عن قيمة صادرات إجمالية تقارب 245 مليون دولار يوميا، أي نحو 7.35 مليارات دولار خلال ثلاثين يوما،فإذا تعطل هذا التدفق بالكامل لمدة أسبوع، فإن نحو 1.7 مليار دولار من قيمة الصادرات سيكون معرضا للفقد أو التأجيل، هذه ليست خسارة محققة، وإنما سيناريو حسابي يوضح حجم التعرض، ولا يحتسب بدائل التصدير أو أثر المخزونات أو التسويات المالية، وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن لدولة تعتمد ماليتها العامة على النفط أن تفصل أمنها الاقتصادي عن أمن الملاحة في هرمز، بينما تتركز معظم منافذ تصديرها الفاعلة في الجنوب؟

إيران تمتلك ورقة تهديد الممر البحري، فيما يتحمل العراق جزءا كبيرا من التبعات المالية لأي اضطراب فيه، وهذا لا يعني أن إيران تستطيع إغلاق المضيق متى أرادت دون عواقب، لكنه يعني أن العراق أكثر انكشافا مما ينبغي على ممر استراتيجي واحد، ولذلك فإن تطوير منافذ تصدير بديلة لم يعد مجرد مشروع نفطي، بل ضرورة تتعلق بالأمن الوطني وهذا تحديدا ما عملت قوى داخلية لمنعه
أما مشروع طريق التنمية، فهو فرصة أخرى لم تتحول بعد إلى ورقة نفوذ مكتملة، فالموقع الجغرافي لا يمنح العراق قوة تلقائية، ما لم يرتبط بشبكات نقل وموانئ وسكك حديد واتفاقات عبور وضمانات أمنية تجعل استخدام الأراضي العراقية مصلحة اقتصادية للدول المجاورة، بمعنى أوضح، أن تمر التجارة عبر العراق شيء، وأن يصبح تعطيل هذا المرور مكلفا للاقتصادات الإقليمية شيء آخر
وعلى المستوى الأمني، لا يمكن تجاهل العامل الأميركي عند قراءة اتفاق مكة واجتماع طهران، فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، والسعودية ترتبط بشراكات دفاعية واسعة مع واشنطن، فيما تواجه إيران ضغوطا وعقوبات وصراعا مباشرا مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لذلك قد تكون هذه التحركات محاولة لبناء ضمانات أمنية إضافية، أو وسيلة لإدارة التصعيد بالتوازي مع الترتيبات القائمة، وليس بالضرورة سعيا لاستبدال الدور الأميركي في المنطقة

أما العراق، فيقف في منطقة شديدة الحساسية بين هذه القوى، فهو يرتبط بعلاقات اقتصادية وأمنية مع الولايات المتحدة وإيران وتركيا ودول الخليج، لكنه يواجه تحديا داخليا يتعلق بتوحيد القرار الأمني وضمان خضوع استخدام القوة لسلطة الدولة،
(وهاي السالفة الي ما تشجع الدول ان تتعامل وياه)
لذلك انا أرى أن هذه المسألة تحديدا تحد من قدرة بغداد على تقديم ضمانات موثوقة في أي تفاهم إقليمي جديد، “فالدولة لا تقاس فقط بما توقعه من اتفاقات، وإنما بقدرتها على تنفيذ ما تتعهد به”

ومن زاوية تحليل المخاطر، يمكن قراءة موقع العراق من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
الأول: هو الانكشاف الاقتصادي، ويتمثل بتركيز إيرادات الدولة في النفط واعتماد صادراته على ممرات معرضة للاضطراب، ويمكن قياسه بحجم الإيرادات المعرضة للخطر، والطاقة التصديرية البديلة، والقدرة المالية على تحمل توقف الصادرات.

الثاني : هو الانكشاف الأمني، ويتمثل بإمكانية انتقال التوترات الإقليمية إلى الأراضي العراقية أو استخدامها في صراعات خارجية، ولا تقاس خطورته بعدد الحوادث فقط، بل بقدرة مؤسسات الدولة على المنع والاستجابة واستعادة السيطرة.

أما الثالث : فهو الانكشاف التفاوضي، عندما تتشكل ترتيبات أمنية بين دول تمتلك أدوات ضغط متبادلة، بينما لا يمتلك العراق أوراقا كافية للتأثير في شروط هذه الترتيبات.

ولا يصح افتراض أن غياب العراق عن اجتماع طهران يعني وجود قرار باستبعاده من النظام الأمني المقبل، كما أن المشاركة في تحالف عسكري ليست مكسبا بحد ذاتها، فقد يكون البقاء خارج التزامات الدفاع المشترك أكثر انسجاما مع مصالح العراق، بشرط ألا يتحول هذا الموقف إلى عزلة عن صناعة القرار الإقليمي، فالحياد الذي يستند إلى اقتصاد قوي وقدرة دفاعية مستقلة يختلف تماما عن الحياد الذي تفرضه محدودية الخيارات،
واما الفرصة المتاحة للعراق فهي ليست تقليد باكستان في الردع النووي، أو تركيا في الصناعات الدفاعية، أو السعودية في قدراتها الاستثمارية، و انما يحتاجه هو بناء نموذج قوة يناسب موقعه وموارده، يبدأ بتنويع الاقتصاد ومنافذ الطاقة، وتحويل طريق التنمية إلى شراكة تجارية عابرة للحدود، وتعزيز قدرة الدولة على فرض التزاماتها الأمنية، فمن دون هذه العناصر ستبقى الدبلوماسية العراقية تتحرك ضمن حدود ما تسمح به التوازنات التي يصنعها الآخرون

انا لا أعتقد أن مشكلة العراق تكمن في قلة الأصدقاء أو نقص المبادرات السياسية، وإنما المشكلة في الفجوة بين حجم موارده وحجم تأثيره الفعلي، وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية من حضور بغداد في اجتماع مكة أو طهران:

“إذا كانت السعودية تمتلك الطاقة والمال، وباكستان الردع النووي، وتركيا الصناعات الدفاعية، وإيران أوراق الضغط الإقليمي، فما هي الورقة العراقية التي تجعل هذه الدول بحاجة إلى بغداد عند صياغة أمن المنطقة”؟
الإجابة لا ينبغي أن تكون النفط وحده، ولا الموقع الجغرافي وحده، فكلاهما يفقد جزءا من قيمته عندما نعجز عن حمايته أو توظيفه، المشكلة هي ليست أن العراق خارج طاولة التفاوض، بل أننا لم نحول الى الان ما نملكه إلى قوة تجعل تجاوز مصالحنا مكلفا للآخرين.
الإجابة لا ينبغي أن تكون النفط وحده، ولا الموقع الجغرافي وحده، فكلاهما يفقد جزءا من قيمته عندما نعجز عن حمايته أو توظيفه، المشكلة هي ليست أن العراق خارج طاولة التفاوض، بل أننا لم نحول الى الان ما نملكه إلى قوة تجعل تجاوز مصالحنا مكلفا للآخرين.