بقلم/ حازم الأسدي

قرأت تقرير وزارة الخارجية الأميركية لعام 2026 عن مناخ الاستثمار في العراق، وتوقفت عند أرقام وملاحظات أعتقد أنها تستحق نقاشا عراقيا جادا، لأنها تكشف جانبا من الخلل الذي نعاني منه منذ سنوات، رغم تعاقب الحكومات وتكرار الوعود بالإصلاح الاقتصادي
يشير التقرير إلى أن النفط يوفر أكثر من 90% من إيرادات الموازنة الاتحادية، وأن ثلاثة مصارف حكومية تستحوذ على نحو 85% من أصول القطاع المصرفي، فيما تمتلك الدولة قرابة 192 شركة عامة يعمل فيها ما بين 500 و600 ألف شخص، وتبلغ البطالة بحسب التقرير 15.5% ، هذه ليست مجرد أرقام، وإنما صورة لطبيعة الاقتصاد العراقي، وكيف تتركز موارده وأدواته بيد الدولة، بينما يعجز القطاع الخاص عن التحول إلى قوة إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل، و انا لا أتعامل مع التقرير الأميركي باعتباره حكما نهائيا، فالولايات المتحدة تنظر إلى مناخ الاستثمار من زاوية مصالح شركاتها أيضا، لكن هل ما ورد فيه بعيد عن واقعنا؟
منذ سنوات نسمع عن تنويع الإيرادات والإصلاح المصرفي وتشجيع الاستثمار، لكن ما إن تتعرض الموازنة لضغوط مالية حتى نعود إلى الأسئلة نفسها: من أين نمول الرواتب؟ هل نرفع سعر صرف الدولار؟ هل نقترض أم نؤجل الالتزامات؟
اين ذهبت سنوات الاصلاح؟
“الدولة التي تضع قواعد المنافسة وتنافس المستثمر”
يشير التقرير إلى امتلاك الدولة نحو 192 شركة عامة، يعمل عدد منها دون طاقته الإنتاجية، وتتمتع الشركات الحكومية بامتيازات في التعاقد والمنافسة، بينها أفضلية سعرية قد تصل إلى 10% في بعض العطاءات
“يعني شلون نريد من القطاع الخاص أن يستثمر وينتج ويوظف، إذا كانت الدولة تضع قواعد المنافسة ثم تدخل السوق منافسا يتمتع بامتيازات لا يحصل عليها الآخرون”؟

هذا لا يعني أن الحل يكمن في بيع الشركات العامة، بل في تدقيق أوضاعها وتصنيفها، الشركة المنتجة يجب تطويرها، والمتعثرة القابلة للإصلاح يمكن إدخالها في شراكات تشغيلية، أما الشركات التي تستنزف الموارد دون جدوى اقتصادية فتحتاج إلى معالجة حقيقية، مع ضمان حقوق العاملين، فالإصلاح لا يجوز أن يتحول إلى نقل كلفة الفشل من خزينة الدولة إلى جيوب الموظفين

“عدد المصارف كثير والتمويل قليل”

يضم العراق، وفق الأرقام الواردة في التقرير، 71 مصرفا وفرعا مصرفيا مرخصا، لكن ثلاثة مصارف حكومية، هي الرافدين والرشيد والمصرف العراقي للتجارة، تستحوذ على نحو 85% من أصول القطاع المصرفي، و هذه مفارقة تستحق التوقف
اذا ما جدوى عشرات المصارف إذا بقي المصنع عاجزا عن تمويل خطوط إنتاجه، والمزارع عاجزا عن شراء معداته، وصاحب المشروع الصغير مضطرا للاعتماد على أمواله الشخصية؟
الإصلاح المصرفي لا يقاس بعدد أجهزة الدفع الإلكتروني أو المصارف المرتبطة بالتحويلات الدولية فقط، وإنما بحجم التمويل الذي يصل إلى القطاعات المنتجة، وقدرتها على تحويل القروض إلى مشاريع وفرص عمل.
وتستهدف استراتيجية الإقراض المصرفي 2024–2029 زيادة الائتمان الموجه للقطاع الخاص بما يعادل 4% من الناتج المحلي غير النفطي بحلول عام 2029

لكن السؤال الأهم: كم مشروعا سيدخل الإنتاج فعلا؟ وكم فرصة عمل ستخلق هذه القروض؟

“القائمة الرمادية.. أين الخلل”؟

في 19 حزيران 2026، أعادت مجموعة العمل المالي (FATF) العراق إلى القائمة الرمادية بسبب أوجه قصور استراتيجية في منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب
جاء ذلك رغم الإصلاحات التي شهدتها التحويلات الخارجية، والانتقال إلى التعامل عبر المصارف المراسلة، وتشديد متطلبات الامتثال
وهنا ينبغي التمييز بين تنظيم التحويلات المالية وبين بناء منظومة قادرة على كشف الأموال غير المشروعة والتحقيق فيها وملاحقة المتورطين
وأرى أن جزءا من مشكلة السوق الموازي للدولار يرتبط بهذه الفجوة، فما دامت بعض المعاملات التجارية تجري خارج القنوات المصرفية النظامية، فإن تشديد إجراءات التحويل وحده لن ينهي الطلب على الدولار في السوق الموازي
المطلوب منظومة امتثال فعالة تميز بين التجارة المشروعة والعمليات المشبوهة، وتوسع القنوات القانونية للتحويل، دون التساهل مع غسل الأموال أو تمويل الأنشطة غير المشروعة.

“الفساد الذي يعطل الاقتصاد”

من أخطر ما اشار اليه التقرير هو ان الفساد في العقود والتراخيص والإجراءات الحكومية، والضغوط التي قد يتعرض لها المستثمر للدخول في شراكات مع جهات محلية نافذة.
المشكلة هنا أن الفساد لم يعد مجرد رشوة تدفع لإنجاز معاملة، وإنما قد يتحول إلى آلية للتحكم في توزيع العقود والفرص الاقتصادية
فعندما يصبح النفوذ السياسي طريقا للحصول على الأرض أو التمويل أو الموافقات، فإن المستثمر الحقيقي يجد نفسه أمام منافسة غير متكافئة
وأنا أرى أن مكافحة الفساد لا تبدأ فقط بملاحقة المرتشين، بل بإصلاح البيئة التي تسمح للمسؤول بالتحكم في الفرص دون رقابة فعالة، نحتاج إلى إعلان العقود الحكومية وقيمها ونسب إنجازها، والكشف عن المستفيدين الحقيقيين من الشركات المتعاقدة، ونشر كلفة المشاريع المتلكئة وأسباب تأخرها والجهات المسؤولة عنها

“الاستثمار ليس مؤتمرات وأرقاما معلنة”

تعلن الحكومات باستمرار عن فرص وعقود استثمارية بمليارات الدولارات، لكن هناك فرقا كبيرا بين إجازة استثمارية وعقد موقع وتمويل دخل العراق ومشروع بدأ الإنتاج، و أنا لا أقيس نجاح الاستثمار بعدد المؤتمرات ولا بقيمة الاتفاقيات الموقعة، وانما ما يهمني هو كم دولارا دخل فعلا إلى الاقتصاد العراقي؟ وكم مشروعا اكتمل؟ وكم وظيفة مستدامة وفرها؟ وكم ساهم في تقليل الاستيراد أو زيادة الصادرات غير النفطية؟
الاستثمار الذي لا يبني قدرة إنتاجية ولا ينقل معرفة أو تكنولوجيا، لا يمكن اعتباره نجاحا لمجرد ضخامة قيمته المعلنة
“الإصلاح يبدأ من تغيير طريقة إدارة الموارد”

لا أعتقد أن العراق يحتاج إلى استراتيجية جديدة و انما المطلوب برنامج اقتصادي يرتبط بالموازنة والتمويل والمحاسبة، ويبدأ بإصلاح المالية العامة، وضبط الإنفاق الجاري، وتوجيه الفوائض النفطية إلى احتياطي للاستقرار المالي، بدلا من تحويلها إلى التزامات دائمة،
وبالتوازي، يجب إعادة هيكلة الشركات والمصارف الحكومية، وتوفير التمويل للإنتاج، وإصلاح إجراءات التعاقد والاستثمار، وتوسيع الإيرادات غير النفطية عبر الصناعة والزراعة والخدمات
لكن يجب أن يكون واضحا أن تنويع الإيرادات لا يعني مجرد زيادة الضرائب والرسوم على المواطنين. فالدولة التي لا توسع قاعدة الإنتاج، وتكتفي بتوسيع الجباية، لا تعالج الخلل الاقتصادي وإنما تعيد توزيع كلفته على المجتمع
ما أراه هو أن المشكلة العراقية لم تعد في غياب التشخيص أو نقص الخطط، بل في المصالح التي سيطالها الإصلاح إذا طبق فعلا،فإصلاح الاقتصاد سيغير طريقة توزيع العقود والموارد والامتيازات، ويحد من قدرة بعض القوى على استخدام مؤسسات الدولة بوصفها مصادر للنفوذ الاقتصادي والسياسي
وهنا تكمن العقدة الحقيقية
العراق يمتلك النفط والغاز والموقع الجغرافي والموارد البشرية والسوق الاستهلاكية، لكنه لم ينجح حتى الآن في تحويل هذه الإمكانات إلى اقتصاد متنوع
وبعد كل هذه السنوات، من حقنا أن نسأل:
إذا كانت المشاكل معروفة والحلول مطروحة، من يعطل تنفيذها؟ وهل نملك فعلا مشروعا للإصلاح الاقتصادي، أم أننا ما زلنا ندير الأزمات بانتظار ارتفاع جديد في أسعار النفط؟
الدكتور حازم الأسدي
باحث في الاقتصاد السياسي