بقلم: سعد الشديدي
في لحظة إقليمية تتغيّر فيها الخرائط أسرع مما تُطبع البيانات الرسمية، يجد العراق نفسه أمام سؤال كبير: كيف يبني علاقة مستقرة مع السعودية بينما الرياح من حوله لا تهدأ، والفصائل في الداخل لا تنام، والضغوط الإقليمية تتبدّل كل أسبوع؟
العراق اليوم ليس دولة خارجة من حرب فحسب، بل دولة خارجة من وصاية طويلة، تحاول أن تعيد تعريف نفسها في منطقة تتصارع فيها القوى على كل شيء: النفط، النفوذ، الممرات البحرية، وحتى الخطاب السياسي. وفي قلب هذا المشهد، تقف السعودية كجارٍ عربيٍ كبير، يراقب العراق بقدر من الأمل والحذر في آن واحد.
على مدى السنوات الأخيرة، حاولت بغداد أن تعيد فتح أبوابها نحو الخليج، وأن تقدّم نفسها كدولة قادرة على بناء شراكات مستقرة بعيداً عن الاستقطاب الحاد بين المحاور. لكن هذا الطريق ليس سهلاً، فالسعودية تنظر إلى العراق من زاويتين متلازمتين: الأولى باعتباره عمقاً عربياً لا يمكن التفريط به، والثانية باعتباره ساحة نفوذ إيراني تحتاج إلى توازن دقيق كي لا تتحوّل إلى مصدر تهديد لأمن الخليج.
من هنا، تبدو الطلبات السعودية غير المعلنة واضحة لمن يقرأ المشهد: ضبط الفصائل المسلحة، منع استخدام الأراضي العراقية كمنصة ضغط على الجوار، تأمين الحدود، وتقديم شراكات اقتصادية حقيقية لا تبقى حبيسة التصريحات. هذه ليست شروطاً تعجيزية، لكنها شروط تتطلب دولة تمتلك قرارها الأمني، لا دولة تتفاوض يومياً مع مراكز قوى داخلية.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن العراق يقف في منطقة رمادية. فهو ليس جزءاً كاملاً من المحور العربي، ولا هو ملتحق بالكامل بمحور إيران. إنه يحاول أن يكون جسراً بين العالمين، لكن الجسر يحتاج إلى أعمدة ثابتة، وهذه الأعمدة ما زالت تتأرجح بين الدولة والفصائل، بين السيادة والارتباطات الخارجية، وبين الرغبة في الاستقلال والواقع الاقتصادي الذي يفرض نفسه بقوة.
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل يستطيع العراق أن يقدّم نفسه كشريك موثوق بينما السلاح خارج الدولة ما زال جزءاً من المعادلة؟ وهل يمكن لحكومة تحاول أن تُرضي الجميع أن تُمسك العصا من المنتصف دون أن تنكسر؟
فرص النجاح موجودة، لكنها ليست نهائية. هناك تعب شعبي من الفوضى، وضغط دولي لصالح الاستقرار، ورغبة حكومية في إعادة العراق إلى موقعه الطبيعي كدولة لا كساحة صراع. كما أن الفصائل نفسها، رغم نفوذها، تدرك أن استمرار الدولة هو شرط لبقاء نفوذها السياسي والاقتصادي، ما يفتح الباب أمام تهدئة تدريجية لا أمام مواجهة شاملة.
في النهاية، تبدو العلاقة بين العراق والسعودية اختباراً لمدى قدرة بغداد على إعادة تعريف نفسها. هل تستطيع أن توازن بين إيران والسعودية دون أن تخسر أحدهما؟ هل تستطيع أن تضبط الفصائل دون أن تدخل في صدام؟ وهل تستطيع أن تبني اقتصاداً مستقلاً في زمن تتداخل فيه السيادة مع الجغرافيا والنفوذ؟
العلاقة العراقية السعودية قابلة للتطور، لكن اختبارها الحقيقي سيكون في التنفيذ. كلما استطاعت بغداد الوفاء بالتزاماتها، وحماية التعاون من التجاذبات، ازدادت فرص بناء ثقة يصعب تبديدها عند أول أزمة. وعندها يصبح التقارب جزءاً من سياسة عراقية مستقرة، له فوائد يلمسها الناس، لا مجرد خبر يتكرر مع كل زيارة رسمية
العراق والسعودية… تعارف جديد لعلاقات ذات جذور قديمة