بقلم/ فينوس بابان
يشهد النظام الدولي مخاضاً عسيراً لإعادة تشكيل خارطة النفوذ العالمي، متنقلاً من حقبة القطب الواحد إلى صراع أقطابٍ ضارٍ (بين الولايات المتحدة، روسيا، والصين) تتداخل فيه الجغرافيا السياسية بالحروب الاقتصادية والنقدية والتكنولوجية. وما يبدو في ظاهر المشهد اليوم من أزمات متفرقة، واشتعال بؤر القتال من شرق أوروبا إلى عمق الخليج والشرق الأوسط ليس صدفةً عشوائيةً، بل هو مسارٌ مرسومٌ ومدروسٌ لإدارة صراع الاستنزاف العالمي.
استنزاف الردع وصمت الكبار (الهجوم على مطار الرياض أنموذجاً)
أعاد الهجوم الأخير الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض تسليط الضوء على هشاشة الأمن الإقليمي وتكلفة الحروب الحديثة، إذ أسفر الهجوم عن مقتل اثني عشر شخصاً وإصابة أكثر من ثلاثمائة آخرين من جنسيات متعددة، فضلاً عن تعليق مؤقت للعمليات التشغيلية للمطار.
لماذا تقف القوى الكبرى متفرجة؟ إن اقتصار الموقف الأمريكي والغربي على إدانات دبلوماسية وتصريحات حادة، بالتوازي مع تحركات أطراف مثل الحوثيين المدعومين إيرانياً عبر تقنيات المسيرات والصواريخ منخفضة التكلفة، يثبت أن معادلة الردع قد تغيرت، فالمواجهة اليوم لا تقاس بحجم الجيوش الكلاسيكية بل بقدرة الأدوات اللامتناظرة على استنزاف المنظومات الدفاعية باهظة الثمن (حيث تكلف الصواريخ الاعتراضية بين ثلاثة إلى خمسة ملايين دولار للصاروخ الواحد مقارنة برخص المسيرات المهاجمة.
عقم التحالفات الإقليمية.. إن وجود اتفاقيات تعاون أمني واستراتيجي بين قوى إقليمية (كالسعودية، تركيا وباكستان) لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة فورية، فهذه التحالفات تظل مقيدة بحسابات الأمن القومي الضيق ورهينةً لغياب، الضوء الأخضر أو التوافق الدولي من واشنطن مما يجعل الأنظمة تفضل سياسة الاحتواء والرد الموضعي تجنباً لحرب إقليمية طاحنة تخدم أهداف الدول العظمى في استنزاف الجميع.
شطرنج الطاقة والصفقة القسرية (موقف ترامب من ملف أوكرانيا)
لم يأتِ تصريح دونالد ترامب العلني بالدعوة إلى تغيير رئيس أوكرانيا وجلب قيادة جديدة تقبل بإنهاء الحرب من فراغ، بل جاء انعكاساً لصراع حاد على شريان الطاقة العالمي.
كواليس التصعيد.. تسبب إصرار كييف على استهداف مصافي النفط ومنشآت الوقود داخل روسيا في تقليص القدرة التكريرية الروسية بنسبة تراوحت بين 10% و15% مما أشعل أسعار الوقود والطاقة عالمياً.
البراغماتية الأمريكية.. أثبتت هذه الأزمة أن الدعم المفتوح للحروب له سقف تحدده المصالح الاقتصادية والانتخابية للسياسات الأمريكية حيث تفضل واشنطن فرض تسويات قسرية وسريعة لإيقاف نزيف أسعار الطاقة وإعادة ضبط الأسواق العالمية قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة.