بقلم الدكتور حازم الأسدي الباحث في الاقتصاد السياسي
هناك سؤال أخطر بكثير من ارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الدينار، سؤال أعتقد أن الإجابة عنه قد تكشف لنا جانبا مهما مما يجري داخل المنظومة المالية والنقدية في العراق: هل يجري استخدام احتياطي البنك المركزي لتمويل العجز الحكومي والرواتب بصورة غير مباشرة، ثم تمرير جزء من الدولارات عبر عمليات تمويل التجارة الخارجية، دون أن نمتلك صورة واضحة عما يقابلها من بضائع وخدمات دخلت العراق فعليا؟
هذا السؤال ليس اتهاما لأحد، لكنه أيضا ليس مجرد شك عابر. نحن أمام أرقام تستحق التحقيق، وتناقضات ظاهرية تحتاج إلى تفسير، وآليات مالية لا تزال تفاصيلها بعيدة عن متناول الرأي العام، المشكلة هنا أن الحكومة تتحدث عن نقص السيولة، وتراجع الإيرادات النفطية، وصعوبة تمويل الرواتب، ثم تفاجئ العراقيين بتخفيض قيمة الدينار، وكأن الإصلاح الاقتصادي يبدأ من جيوب المواطنين وينتهي عند تأمين رواتب الأشهر المقبلة
لكن خلونا نفهم شنو الجاي يصير، ومن أين تأتي الدنانير، وأين تذهب الدولارات؟
في الثاني والعشرين من حزيران 2026، نشر موقع Iraq Oil Report تقريرا تناول اعتماد الحكومة العراقية على الاقتراض غير المباشر المرتبط باحتياطيات البنك المركزي لمواجهة انهيار الصادرات النفطية، والاستمرار في دفع الرواتب وتمويل النفقات الأساسية،وأشار التقرير إلى أن الإيرادات النفطية انخفضت إلى متوسط يقارب مليار دولار شهريا خلال نيسان وأيار، بينما كان متوسط الإنفاق الجاري للدولة خلال عام 2025 يبلغ نحو 7.58 مليارات دولار شهريا، منها 5.67 مليارات للرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية
وهنا لازم نتوقف قليلا
فعندما تكون إيرادات النفط بحدود مليار دولار شهريا، بينما تحتاج الدولة إلى عدة مليارات لتغطية نفقاتها الجارية، فمن الطبيعي أن تظهر فجوة تمويلية ضخمة،صحيح وجود ايرادات ثانية للدولة غير نفطية وأرصدة وأدوات اقتراض، لكن السؤال هو:
هل تكفي هذه الموارد لتغطية الالتزامات، أم أن البنك المركزي أصبح يتحمل جانبا متزايدا من كلفة استمرار الإنفاق الحكومي؟
وهنا تحديدا تبدأ فرضية هذا المقال
ففي الظروف الاعتيادية، تبيع وزارة المالية الدولارات المتأتية من النفط إلى البنك المركزي وتحصل مقابلها على الدنانير اللازمة للإنفاق،وهذه عملية طبيعية لا تعني استنزاف الاحتياطي، لأن البنك المركزي يحصل مقابل الدنانير التي يصدرها على أصول أجنبية جديدة
لكن ماذا يحدث عندما تتراجع الإيرادات النفطية إلى مستويات لا تكفي لتغطية الإنفاق، بينما تستمر الدولة بدفع الرواتب والنفقات؟
قد تتجه الحكومة إلى الاقتراض المحلي أو استخدام الأرصدة المتاحة، وقد يتدخل النظام النقدي والمصرفي لتوفير السيولة بالدينار. وبعد ضخ هذه السيولة في الاقتصاد، يتحول جزء منها إلى طلب على الدولار، سواء لتمويل التجارة أو تسديد الالتزامات الخارجية،وعندما تكون الدولارات الداخلة أقل من الدولارات الخارجة، تبدأ الأصول الأجنبية بالتراجع.
إذن “احنا أمام احتمال اقتصادي يستحق الفحص: أن تكون الدولة قد حافظت على استمرار الإنفاق بالدينار، بينما تحمل الاحتياطي النقدي بصورة غير مباشرة جزءا من كلفة ذلك الإنفاق”
لكن هل توجد آلية إضافية يجري من خلالها استخدام الدولارات التي يقابلها هذا التمويل ضمن عمليات تعزيز أرصدة المصارف وتمويل التجارة؟
(و هنا تحديدا يجب أن يبدأ التحقيق المحاسبي، لأن هذا الجزء من الفرضية لم يثبت بعد بوثائق منشورة،فلو كانت هناك عملية يجري فيها استخدام الأصول الأجنبية لتوفير سيولة حكومية، ثم يعاد إدراج المبالغ ذاتها في عمليات بيع العملة أو تمويل الاستيرادات، فإن علينا أن نعرف طبيعة القيود المالية التي سجلت بموجبها، والجهة التي استلمت الدنانير، والجهة التي آلت إليها الدولارات).
والسؤال الأهم: هل نتحدث عن عملية مصرفية اعتيادية، أم عن استخدام منظم للاحتياطي لتغطية اختلال مالي لا يظهر للرأي العام بصورته الكاملة؟
حتى الآن لا توجد لدينا الأدلة الكافية للجزم بالاحتمال الثاني، لكن وجود تفسير محاسبي محتمل لا يعفي المؤسسات المعنية من تقديمه،و الان نأتي إلى الجانب الأكثر إثارة للتساؤلات
خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بلغت مبيعات البنك المركزي من العملة الأجنبية نحو 35.27 مليار دولار، مقارنة بنحو 53.83 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق
وفي حزيران وحده بلغت المبيعات نحو 5.857 مليارات دولار، بينما سجل شهر تموز 5.662 مليارات دولار. وفي آب بلغت المبيعات 3.697 مليارات دولار، منها 3.427 مليارات لتعزيز أرصدة المصارف في الخارج.
“وهنا ارجوا الانتباه إلى هذه الأرقام”
نحن نتحدث عن مليارات الدولارات التي استمرت عمليات بيعها وتحويلها خلال فترة شهد فيها العراق اضطرابا كبيرا في حركة الملاحة وسلاسل الإمداد وتراجعا في قدرته على تصدير النفط، وهنا يبرز سؤال أراه مشروعا تماما:
إذا كانت حركة الاستيراد قد تأثرت بتعطل سلاسل الإمداد، فهل انخفضت قيمة الاستيرادات الفعلية بالنسبة نفسها؟ وإذا كانت الإجابة نعم، فلماذا استمرت التحويلات بهذه المستويات؟
قد يجيب البعض بأن هذه الأموال تمثل تسويات تجارية سابقة أو مدفوعات مقدمة أو خدمات أو تعزيزات لأرصدة المصارف الخارجية،وهذا تفسير مصرفي ممكن، بل قد يكون صحيحا في جزء كبير من العمليات، لكن شنو يمنع من نشر البيانات التي تثبت ذلك بصورة إجمالية ومن دون كشف أسرار المتعاملين؟
كم بلغت قيمة البضائع الداخلة فعليا؟ وكم بلغت قيمة الخدمات المستوردة؟ وكم من الأموال بقي لدى المصارف في الخارج؟ وكم استخدم لتسوية ديون تجارية سابقة؟ وما حجم العمليات التي لم تستكمل مستنداتها النهائية؟
هذه الأسئلة ليست ترفا اقتصاديا، لأننا نتحدث عن أموال تؤثر مباشرة في قدرة البنك المركزي على حماية الدينار، والأخطر أن العراق لا يعتمد في تجارته الخارجية على قناة مصرفية واحدة، فجزء من التعاملات التجارية الإقليمية، ولا سيما مع إيران، يجري نقدا أو من خلال ترتيبات تسوية مختلفة وهنا راح تتعقد الصورة أكثر
فإذا كانت بعض الاستيرادات تمول بالدولار النقدي خارج القنوات الرسمية، بينما تستمر المصارف في الحصول على مليارات الدولارات لتعزيز أرصدتها الخارجية، فمن الضروري معرفة حجم التداخل بين هذه القنوات، ومنع استخدام الفواتير التجارية لتغطية معاملات لا تتطابق مع حقيقتها الاقتصادية!
انا لا أزعم أن هذا التداخل قد ثبت، لكنني أسأل عن أدوات الرقابة التي تمنع حدوثه، فما قيمة الرقابة المصرفية إذا لم نستطع مطابقة التحويلات مع المستفيدين الحقيقيين، ووثائق الشحن، والتخليص الجمركي، وحركة التجارة الفعلية؟
وحتى لا ننتقي الأرقام التي تؤيد فرضيتنا ونتجاهل ما يعارضها، هناك حقيقة مهمة: مبيعات الدولار خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 انخفضت بنحو 34.5% مقارنة بالفترة نفسها من 2025
وهذا يعني أن الحديث عن استنزاف الاحتياطي بسبب تضخم مبيعات الدولار وحدها سيكون استنتاجا ناقصا،لكن المفارقة تستحق التحقيق من زاوية مختلفة:
كيف يستمر الضغط على الاحتياطي رغم انخفاض المبيعات الرسمية؟
هل لأن الإيرادات الدولارية النفطية تراجعت بوتيرة أكبر؟ أم بسبب التزامات خارجية أخرى؟ أم بسبب تغيرات في الأصول الأجنبية والتمويل الحكومي؟ أم أن هناك عوامل متعددة تعمل في الوقت نفسه؟
وما مقدار مساهمة كل عامل من هذه العوامل ؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تجيب عنها ميزانيات البنك المركزي وحسابات وزارة المالية، وليس التصريحات العامة،ثم نصل إلى الرقم الذي أثار جدلا واسعا، وهو انخفاض الاحتياطي إلى ما يقارب 66.7 مليار دولار بحسب بعض التقارير،هنا يجب ألا نقع في خطأ حسابي يخدم الإثارة على حساب الحقيقة
فإذا كان هذا الرقم ناتجا عن تحويل قيمة أصول مسجلة بالدينار إلى الدولار باستخدام سعر الصرف الجديد، فإن جزءا من الفرق قد يكون محاسبيا وليس فقدانا فعليا للعملة الأجنبية.
ولذلك أطالب بنشر القيمة الحقيقية للأصول الاحتياطية بعملاتها الأصلية، والتغيرات التي طرأت عليها نتيجة السحب أو البيع أو إعادة التقييم، حتى نعرف شكد خسر العراق فعليا من احتياطياته، وشكد تغير بسبب طريقة الاحتساب، فليس من المقبول أن تختلف تقديرات الاحتياطي بعشرات المليارات من دون تفسير واضح يستطيع المواطن والباحث والمختص الاطلاع عليه.
اما الآن فنصل إلى الحلقة الأخيرة من المشهد!
في السابع من تشرين الأول 2026، اتجهت الحكومة إلى تخفيض قيمة الدينار، وأصبح السعر المعتمد لشراء وزارة المالية الدولار 1,500 دينار بدلا من 1,300 دينار، ضمن هيكل جديد لسعر الصرف، وهذا يعني أن كل مليار دولار من الإيرادات النفطية يوفر لوزارة المالية 200 مليار دينار إضافية مقارنة بالسعر السابق، لكن هل دخل إلى العراق دولار إضافي نتيجة هذا الإجراء؟
الجواب : لا
وهل أدى تغيير سعر الصرف بحد ذاته إلى زيادة الصادرات النفطية أو إصلاح النفقات الحكومية؟
الجواب : لا
ان الذي تغير هو مقدار الدنانير التي تحصل عليها الحكومة مقابل الدولار، بينما ارتفعت كلفة الحصول على الدولار بالنسبة إلى قطاعات واسعة من الاقتصاد، وهنا أطرح السؤال الذي أعتقد أنه الأكثر إحراجا للسياسة المالية:
هل جاء تخفيض قيمة الدينار بعد استنفاد أدوات التمويل، أم أنه جاء لتخفيف الضغط عن آلية تمويل كانت تعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض والسيولة المحلية والاحتياطي النقدي؟
إذا كانت الحكومة قد استخدمت الاقتراض المحلي لتوفير الرواتب، وإذا كان هذا الإنفاق قد ساهم في زيادة الطلب على الدولار واستنزاف الأصول الأجنبية، فإن تخفيض قيمة الدينار قد يمنحها قدرة مؤقتة على الاستمرار، لكنه لا يعالج السبب الذي أوصلنا إلى هذه المرحلة، يعني بمعنى آخر، هل نحن أمام إصلاح اقتصادي حقيقي، أم مجرد نقل لكلفة العجز من ميزانية الدولة إلى القوة الشرائية للمواطن؟
وهل يمكن أن يتكرر هذا الإجراء بعد أشهر إذا استمرت الظروف نفسها؟
ما أريد الوصول إليه في هذا المقال هو أن القضية لا تتعلق برقم الاحتياطي وحده، ولا بمبيعات الدولار وحدها، ولا حتى بتخفيض قيمة الدينار بصورة منفصلة
فالقضية هي العلاقة بين ثلاثة ملفات ينبغي فتحها معا: تمويل العجز الحكومي، وحركة الأصول الأجنبية للبنك المركزي، والتسويات الدولارية للتجارة الخارجية، ولا أعتقد أن أي تحقيق جاد يستطيع الوصول إلى الحقيقة دون مطابقة هذه الملفات الثلاثة.
نحتاج إلى معرفة مقدار التمويل الذي حصلت عليه الحكومة من المصارف ومن البنك المركزي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ثم نحتاج إلى معرفة كيف أثرت هذه العمليات في السيولة المحلية وصافي الأصول الأجنبية؟
وبعد ذلك، علينا أن نقارن التحويلات الدولارية مع حركة التجارة الحقيقية، مع مراعاة فروقات التوقيت والمدفوعات غير السلعية، لا أن نقارن أرقاما متباينة ثم نستنتج وجود تهريب أو تلاعب،فقد تظهر هذه المطابقة أن معظم العمليات سليمة ومبررة، وقد تكشف اختلالات تستدعي التحقيق والمساءلة،وفي الحالتين نحن بحاجة إلى الحقيقة..
أما أن يستمر الحديث عن أزمة مالية، ويجري تغيير سعر الصرف، وتتراجع القوة الشرائية للمواطن، بينما تبقى آلية تمويل العجز وحركة الاحتياطي والتسويات الخارجية غير واضحة للرأي العام، فهذا وضع لا يساعد على بناء الثقة بالسياسات المالية والنقدية
لذا ان ما أراه هو أن العراق لم يعد يمتلك ترف تأجيل الأسئلة الصعبة،لأن الدولة التي تعتمد على النفط في تمويل معظم نفقاتها، وتستهلك مواردها في التزامات جارية ضخمة، ثم تلجأ عند الأزمات إلى الاقتراض والسيولة وتغيير سعر الصرف، ستجد نفسها أمام الحلقة نفسها كلما تعرضت الإيرادات النفطية لصدمة جديدة، والاحتياطي النقدي مهما بلغ حجمه، ليس بديلا عن الاقتصاد المنتج، ولا يمكن أن يكون مصدر تمويل دائم لاختلالات الموازنة.
لهذا انا أوجه سؤالي إلى البنك المركزي ووزارة المالية:
هل تستطيعان نشر كشف محاسبي يوضح العلاقة بين التمويل الحكومي والتغير في الاحتياطي ومبيعات الدولار، ويثبت أن الدولارات التي خرجت عبر القنوات المصرفية قابلتها معاملات خارجية حقيقية ومبررة؟؟
وإذا كانت جميع هذه العمليات سليمة، فلماذا لا توضع الأرقام الإجمالية ومناهج التدقيق أمام المختصين والرأي العام؟
وإذا كانت هناك فجوات أو اختلالات، فمن المسؤول عن كشفها ومعالجتها قبل أن يتحمل المواطن كلفتها مرة أخرى؟
أنا لا أقول إن هناك عملية مالية غير مشروعة قد ثبتت، لكنني أقول إن الأرقام والظروف تستدعي تحقيقا رسميا مستقلا، لا مجرد تطمينات، فالشك العلمي لا يعني إصدار الأحكام قبل الأدلة، وإنما يعني رفض اعتبار الرواية الرسمية حقيقة نهائية دون اختبارها.
وأختم بسؤال انا أراه جوهر هذه القضية كلها:
هل كان تخفيض قيمة الدينار ضرورة اقتصادية فرضتها الأزمة، أم أصبح وسيلة لإنقاذ منظومة إنفاق لم تستطع الدولة إصلاحها، بعدما بدأت الضغوط تتراكم على الاحتياطي النقدي؟
“المشكلة مو بس شكد بقي عدنا من الدولارات، المشكلة شلون خرجت، وشلون مولنا العجز، ومنو الذي سيدفع الحساب بالنهاية”
وحتى تتضح هذه العلاقة بالأرقام والوثائق، سيبقى السؤال مشروعا:
هل نحمي الاحتياطي من أجل حماية الدينار، أم نستهلك الاحتياطي من أجل استمرار الإنفاق، ثم نخفض قيمة الدينار عندما يشتد الضغط؟