جريدة/
تتصاعد في العراق دعوات سياسية وشعبية لإبعاد البلاد عن صراعات المنطقة ومنع استخدام أراضيها في أي نشاط يهدد دول الجوار، بالتزامن مع عودة ملف وجود جماعة الحوثي في بغداد إلى الواجهة، عقب هجوم قالت السلطات السعودية إنه استهدف مكة المكرمة بطائرة مسيرة، وسط مطالبات بإغلاق مكاتب وممثليات الجماعة في العراق.

ويأتي الجدل في وقت تمتلك فيه الجماعة ممثلية في بغداد تعمل منذ سنوات، بالتوازي مع وجود سفارة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً في العاصمة العراقية، فيما أعادت مواقف صدرت عن مجموعات عراقية مسلحة موالية لإيران ومتضامنة مع الحوثيين النقاش بشأن طبيعة نشاط الجماعة داخل البلاد.

إغلاق مكتب الحوثيين

ودعا الأمين العام للمشروع الوطني العراقي جمال الضاري إلى إغلاق مكتب الجماعة في بغداد، قائلاً إن “أقل ما ينتظر من رئيس الحكومة العراقية علي الزيدي وسائر الدول العربية والإسلامية التي تستضيف مكاتب أو ممثلين للحوثيين، اتخاذ الإجراءات القانونية لإغلاقها وإنهاء وجودهم على أراضيها، ورفض أي غطاء أو تساهل مع هذه الجماعة المصنفة إرهابياً”.

وأضاف الضاري أن “المساس بالحرمين تجاوز خطير لا يحتمل الصمت، وأن صون المقدسات وأمن قاصديها مسؤولية لا تقبل المساومة أو التهاون”.

وكان الضاري قد وصف استهداف مكة المكرمة بأنه “تصعيد خطير يمس حرمة الحرمين الشريفين ويهدد أمن معتمري بيت الله الحرام”، داعياً إلى موقف عربي وإسلامي موحد تجاه الجماعة ومن يدعمها.

أنشطة خارج سلطة الدولة

بدوره، دعا رئيس المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية في بغداد غازي فيصل إلى الحد من أنشطة الحوثيين داخل العراق، معتبراً أن الجماعة تمارس أنشطة عسكرية بالتعاون مع فصائل وجماعات مسلحة عراقية تعمل خارج إطار سلطة القانون ووزارة الدفاع.

ويرى فيصل أن استمرار مثل هذه الأنشطة يمثل تحدياً أمنياً أمام الجهود الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لإنهاء وجود التشكيلات المسلحة خارج المؤسسات الرسمية.

وفي المقابل، لم يصدر تحرك حكومي معلن استجابةً للدعوات المطالبة بإغلاق مكاتب الجماعة، فيما توسع النقاش بين سياسيين وباحثين بشأن الوضع القانوني لهذه الممثليات ومدى تأثير نشاطها في علاقات العراق مع دول المنطقة.

دفاع عن وجود المكاتب

من جانبه، يقول السياسي المقرب من الفصائل المسلحة علي فضل الله إن “وجود مكاتب للحوثيين وحزب الله اللبناني وحماس ليس تجاوزاً للقانون، بل إن أغلبها موجود بعد إكمال سلسلة إجراءات رسمية، بالتالي فإن وجود ممثليات للحوثيين لا يعد انتهاكاً للقانون العراقي، إلا إذا كانت هذه الجماعة تمارس أدواراً تمس الأمن العراقي”.

ويعتبر فضل الله أن “المطالبات التي برزت أخيراً بشأن طرد الحوثيين وإغلاق مكاتبهم تبدو طائفية وغير مقبولة، لأن الجماعة ليست إرهابية مثل داعش، بل هي جماعة تقاوم الكيان الإسرائيلي”.

ويضيف أن وجود ممثلين للجماعة أو زيارة قادة منها إلى العراق، بحسب وجهة نظره، “يندرج ضمن أهداف اجتماعية وعقائدية، وليس ضمن خطط عسكرية”.

مؤسسات إعلامية في بغداد

في المقابل، يقول عضو التيار المدني العراقي والناشط السياسي أيهم رشاد إن “العراق، منذ عام 2023، تحول إلى ساحة لوجود الجماعات المرفوضة من مجتمعاتها، وكذلك الفصائل العربية من بلدان أخرى”.

ويشير رشاد إلى أن “الحوثيين لا يوجدون في العراق بممثلين عنهم أو مكاتب مفتوحة في بغداد وبعض محافظات جنوب البلاد فحسب، بل نقلوا مؤسسات إعلامية لتبث من داخل العاصمة العراقية ضمن استوديوهات ومواقع بديلة، بعد أن تعرضت المواقع والمقرات الأصلية لضربات جوية وقصف أميركي وإسرائيلي”.

ويرى أن هذا الوضع “يتعارض مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن أن العراق ينأى بنفسه عن الصراعات، وأنه لا يسمح بتحول أراضيه إلى ساحات لصراعات الآخرين”.

مخاوف من ردود دول الجوار

من جهته، يرى الباحث في الشأن السياسي العراقي عبد الله الركابي أن “وجود جماعات مصنفة على لوائح الإرهاب الأميركية، وتزعج دولاً جارة وصديقة وتقدم على تنفيذ هجمات ضدها، على الأراضي العراقية، يستدعي قراراً عراقياً بشأنها”.

ويشير إلى أن العراق استضاف خلال الأعوام الماضية جماعات متعددة، من بينها جماعات إيرانية معارضة في مناطق إقليم كردستان وحزب العمال الكردستاني المناهض للحكومة التركية، معتبراً أن وجود الحوثيين يضيف تحدياً آخر أمام الاستقرار الداخلي وعلاقات بغداد الإقليمية.

ويضيف الركابي أن “من حق دول الخليج العربي المتضررة من الهجمات الحوثية على أراضيها مطالبة العراق بترحيل هذه الجماعة، لأنها تشكل خطراً أمنياً واضحاً”.

طلب أمريكي سابق

ولا يعد الجدل بشأن مكتب الحوثيين في بغداد جديداً، إذ تحدثت تقارير صحافية في كانون الأول 2024 عن طلب أمريكي من الحكومة العراقية لإغلاق مكتب الجماعة في العاصمة، والذي قيل إنه يتولى التنسيق مع جماعات ضمن الحشد الشعبي.

وأشارت التقارير آنذاك إلى أن رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني أبلغ مكتب الحوثيين والجانب الإيراني بالطلب الأمريكي، إلى جانب مطالب بإبعاد قيادات عسكرية حوثية قيل إنها تعمل مع جماعات عراقية مسلحة.

ولا تعترف الحكومة العراقية بالحوثيين بوصفهم ممثلين رسميين لدولة اليمن، إذ تحتفظ بغداد بعلاقات دبلوماسية مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

وفي المقابل، سبق لعضو الإطار التنسيقي عقيل الرديني أن قال إن “الإطار لن يغلق مكتب الحوثيين في بغداد ولا باقي مكاتب محور المقاومة الإسلامية بطلب أمريكي”، معتبراً أن اتخاذ قرار من هذا النوع يقع ضمن صلاحيات الحكومة.

وأوضح الرديني أن “الحكومة هي التي تتخذ القرارات حيال مثل هذه الملفات إذا ما طرحت”، مؤكداً في الوقت ذاته رفض قوى في الإطار إغلاق ما وصفها بمكاتب المقاومة.

من يدير المكتب؟

وبحسب معلومات نشرتها تقارير سابقة، يتولى أحمد الشرفي، المعروف باسم “أبو إدريس”، إدارة مكتب الحوثيين في العراق، ويركز نشاطه بصورة أساسية على التواصل مع الجماعات المدعومة من إيران وبعض الكيانات الاجتماعية.

وفي المقابل، يتولى السفير اليمني أسامة مهدي غانم، ممثل الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، إدارة العلاقات الرسمية مع وزارة الخارجية العراقية.

وتعود التساؤلات بشأن طبيعة الوجود الحوثي في العراق إلى أحداث سابقة، أبرزها إعلان الجماعة في آب 2024 مقتل القيادي حسين عبد الله مستور، المنحدر من مدينة مران في صعدة، خلال غارة أمريكية استهدفت بلدة جرف الصخر جنوبي بغداد وموقعاً تابعاً لكتائب حزب الله العراقية.

وأعادت التطورات الإقليمية الأخيرة هذا الملف إلى واجهة المشهد العراقي، وسط انقسام بين مطالبين بإنهاء وجود مكاتب الجماعة باعتبار ذلك جزءاً من سياسة النأي بالعراق عن صراعات المنطقة، وقوى ترى أن وجودها لا يشكل مخالفة ما دام يجري ضمن أطر قانونية، لتبقى الكلمة النهائية مرتبطة بموقف الحكومة وطبيعة النشاط الذي تسمح به القوانين العراقية على أراضي البلاد.