جريدة/

فقد العراق نحو 16.8 مليار دولار من احتياطياته الأجنبية خلال سبعة أشهر، بعدما تراجعت إلى 80.6 مليار دولار بنهاية تموز 2026، بالتزامن مع انخفاض استثمارات البنك المركزي وغياب البلاد عن قائمة كبار حائزي سندات الخزانة الأمريكية، في وقت يعيد هذا التراجع فتح ملف قدرة العراق على حماية غطائه النقدي وسط انخفاض الإيرادات النفطية وارتفاع النفقات والاضطرابات الإقليمية.

17 بالمئة من الاحتياطي

ويقول عضو لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة النيابية كلدو رمزي، اليوم الأحد، إن “تراجع الاحتياطيات الأجنبية للعراق يستحق المتابعة والوقوف على أسبابه بدقة، بعد أن انخفضت من نحو 97.4 مليار دولار نهاية 2025 إلى 80.6 مليار دولار بنهاية تموز 2026، أي بنحو 16.8 مليار دولار وبنسبة تتجاوز 17 بالمئة”.

ويضيف أن “انخفاض الاحتياطي لا يعني تلقائياً وجود خلل أو سوء استخدام، إذ يتأثر بتدفقات الإيرادات النفطية وتمويل التجارة الخارجية والتحويلات وحركة الأصول والاستثمارات الخارجية وإعادة توزيع المحفظة الاستثمارية”.

ويشدد رمزي على أن القضية الأساسية تتمثل في معرفة مكونات الانخفاض وأسبابه، وما إذا كان تراجعاً مرحلياً أم اتجاهاً يستدعي إجراءات اقتصادية ونقدية إضافية.

تحرك برلماني

ويؤكد رمزي أن “لجنة الاقتصاد والصناعة والتجارة ستتابع الملف بالتكامل مع اللجنة المالية النيابية، والاستماع إلى البنك المركزي بشأن أسباب تراجع الاحتياطيات وحركة الأصول والاستثمارات الخارجية والتغيرات في المحفظة الاستثمارية وآليات إدارتها، ضمن الدور الرقابي لمجلس النواب ومع احترام استقلالية البنك المركزي”.

ويشدد على “ضرورة عدم إعطاء إشارات تثير القلق في السوق من دون أساس”، لافتاً إلى تأكيد البنك المركزي امتلاكه احتياطيات كافية لتلبية الطلب على العملة الأجنبية لتمويل التجارة الخارجية والبطاقات المصرفية وطلبات المسافرين وفق السعر الرسمي.

16.8 مليار دولار خلال سبعة أشهر

وتظهر الأرقام أن الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي بلغت نحو 97.432 مليار دولار نهاية 2025، قبل انخفاضها إلى 86.175 مليار دولار بنهاية حزيران 2026، ثم إلى 80.633 مليار دولار بنهاية تموز، لتبلغ قيمة التراجع خلال الأشهر السبعة الأولى من العام 16.799 مليار دولار، بما يعادل نحو 17.2 بالمئة.

وبالدينار، هبطت قيمة الاحتياطيات من 126.661 تريليون دينار نهاية 2025 إلى 112.027 تريليوناً في حزيران، ثم إلى 104.823 تريليونات دينار في تموز.

وتراجعت استثمارات البنك المركزي بدورها من 93.266 تريليون دينار إلى 81.998 تريليوناً، ثم إلى 75.034 تريليون دينار خلال المدة ذاتها.

وامتد الانخفاض إلى الموجود النقدي في خزائن البنك المركزي، إذ تراجع من 1.907 تريليون دينار نهاية 2025 إلى 614 مليار دينار في حزيران، ثم إلى 124 ملياراً في تموز.

وفي المقابل، ارتفع رصيد الذهب بصورة طفيفة من 29.415 تريليون دينار في حزيران إلى 29.665 تريليوناً في تموز، لكنه ظل أقل من مستوى نهاية 2025 البالغ 31.488 تريليون دينار.

أين ذهبت السندات؟

وفي ملف سندات الخزانة الأمريكية، يوضح رمزي أن “مبلغ 40.8 مليار دولار المسجل نهاية 2022 كان يشمل أوراقاً مالية حكومية أمريكية طويلة وقصيرة الأجل، وليس دقيقاً اعتباره مبلغاً اختفى بمجرد عدم ظهور العراق لاحقاً ضمن قائمة كبار الحائزين، لذا فإن غيابه يعني أن حيازته أصبحت دون الحد الذي يظهر في الجدول”.

ويضيف أن “المطلوب معرفة ما إذا كان جزء من هذه الأوراق قد بيع أو استحق، وأين أعيد توظيف الأموال، وكيف تغير توزيع المحفظة الاستثمارية”.

ويرى أن إعادة توزيع الأصول تمثل جزءاً طبيعياً من إدارة الاحتياطيات، فيما تكمن المسألة الأساسية في معرفة حجم الاستثمارات الخارجية وتوزيعها وعوائدها ومخاطرها ومدى تحقيقها لمعايير الأمان والسيولة والعائد.

وأظهرت بيانات تموز 2026 غياب العراق عن قائمة كبار حائزي سندات الخزانة الأمريكية، فيما ظهرت السعودية والإمارات بوصفهما الدولتين العربيتين في القائمة، بحيازة بلغت 142.4 مليار دولار للسعودية و110.1 مليارات دولار للإمارات، مقابل 142.5 و114.8 مليار دولار على التوالي في حزيران.

وجاءت السعودية في المرتبة السابعة عشرة والإمارات في التاسعة عشرة، بينما تصدرت اليابان القائمة بحيازة بلغت 1.1039 تريليون دولار، تلتها المملكة المتحدة بـ998.3 مليار دولار، ثم الصين بـ618 مليار دولار، فيما بلغ إجمالي الحيازات الأجنبية 9.2481 تريليونات دولار.

الدولار الموازي

وفي ما يتعلق بارتفاع سعر الدولار في السوق الموازي، يرى رمزي أن “تراجع الاحتياطي لا يعني بالضرورة ارتفاع سعر الصرف في السوق الموازي بالنسبة نفسها، إذ تتأثر السوق بحجم الطلب على العملة الأجنبية والتحويلات والتجارة غير المنظمة والمضاربات والظروف الإقليمية وكفاءة القطاع المصرفي في استيعاب الطلب المشروع”.

ويضيف أن “البنك المركزي يعزو الارتفاع الأخير إلى المضاربات والتوقعات واستغلال الظروف الجيوسياسية، مع استمرار تمويل التجارة الخارجية عبر القنوات الرسمية، فيما تتابع اللجنتان الاقتصادية والمالية مستوى الاحتياطيات والاستثمارات الخارجية وآليات التحويل وأسباب الفجوة بين السعر الرسمي والموازي”.

حماية الاحتياطي

ويؤكد رمزي أن “حماية الاحتياطي لا تقتصر على إدارة الطلب على الدولار، بل تتطلب بناء اقتصاد قادر على جذب الاستثمار وإنتاج جزء أكبر مما يستهلكه”.

ويرى أن توجهات الحكومة في دعم القطاع الخاص وجذب الاستثمارات وتحريك المشاريع يمكن أن ترفع الإنتاج وتوفر فرص العمل وتنويع مصادر الدخل، شريطة انتقالها من الاتفاقات والإعلانات إلى استثمارات فعلية.

ويختتم بالقول إن “المعيار ليس حجم الاتفاقات والاستثمارات المعلنة، بل ما يتحول منها فعلياً إلى مشاريع وإنتاج وفرص عمل داخل العراق، وأن استدامة الاحتياطي تحتاج إلى إدارة نقدية سليمة ورقابة مؤسساتية، بالتوازي مع اقتصاد أكثر إنتاجاً وتنوعاً وأقل اعتماداً على النفط والاستيراد”.

النفط وراء التراجع

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي كريم الحلو إن “الاحتياطيات العراقية تراجعت خلال الأزمة الأخيرة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والعراق كان الخاسر الأكبر نتيجة تراجع قدرته على تصدير النفط، إذ كان يصدر نحو أربعة ملايين برميل يومياً، قبل أن تنخفض الكميات المصدرة إلى نحو مئة ألف برميل”.

ويضيف أن “هذا التراجع ارتبط بعدة عوامل، أبرزها ارتفاع كلف الناقلات والتأمين بسبب الحرب، فضلاً عن عدم امتلاك العراق ناقلات نفط خاصة به”.

ويشير إلى أن ناقلة نفط صينية بسعة مليون طن تبلغ كلفتها، بحسب تقديراته، نحو 150 مليون دولار، متسائلاً عن أسباب عدم توجه العراق إلى شراء ناقلات خاصة به.

ويلفت الحلو إلى أن “سلطنة عمان عرضت على العراق تخزين نفطه في منشآتها، التي تمتلك طاقة خزن تصل إلى نحو 200 مليون، إلا أن العراق لم يرسل نفطه لتخزينه في تلك المناطق”.

ويضيف أن “تراجع الإيرادات النفطية دفع العراق إلى اللجوء إلى احتياطياته النقدية، ولا سيما أن النفط يمثل نحو 90 بالمئة من موارد الدولة، في ظل غياب صادرات أخرى يمكن أن تشكل مورداً بديلاً”.

التقشف والاقتراض

وعن الخيارات المتاحة لمواجهة الضغوط المالية، يرى الحلو أن “أحد المسارات يتمثل في معالجة الأزمة من الداخل، حيث بإمكان الحكومة طباعة 30 تريليون دينار من العملة العراقية الجديدة من دون أن يؤدي ذلك إلى التضخم، في ظل حجم الأموال الحكومية والمتداولة لدى المواطنين”.

ويطرح الاقتراض الخارجي من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي خياراً آخر، معتبراً أن هذه القروض يمكن أن توفر الدولار وتدعم الاحتياطيات الخارجية بشروط وآجال طويلة.

ويشير إلى أن الخيارات المتاحة أمام الحكومة تشمل إدارة الموارد الداخلية والاقتراض الخارجي وضبط الإيرادات المحلية، إلى جانب التقشف الذي يراه الخيار الأهم خلال المرحلة الحالية.

فاتورة الرواتب

ويدعو الحلو إلى مراجعة الإنفاق على الرواتب والمخصصات ومؤسسات الدولة، مشيراً إلى تقديرات نسبها إلى صندوق النقد الدولي تتحدث عن دفع نحو 15 مليار دولار سنوياً رواتب لنحو 300 ألف شخص من الدرجات الخاصة والحزبيين، وبعضهم يتقاضى أكثر من راتب.

ويشير إلى وجود إنفاق كبير على فئات أخرى داخل مؤسسات الدولة والجيش وشبكات الحماية والعقود، معتبراً أن هذه النفقات تستنزف جانباً من موارد الدولة.

ويشدد على أهمية ضبط الإيرادات المحلية وتحسين تحصيلها بما يوفر موارد إضافية للموازنة ويساعد في تغطية النفقات، مشيراً كذلك إلى وجود نحو 550 ألفاً ضمن ما وصفه بـ”نظام الساعة”.

الدولار يتحول إلى ملاذ

وعن ارتفاع سعر الدولار، يرى الحلو أن “الإجراءات المتعلقة بالمنصة وتعقيد المعاملات والروتين دفعت جزءاً من المتعاملين إلى العودة للسوق الموازي، وأزمة مصرف الطيف الإسلامي وتأخر الأموال خلقت حالة من القلق دفعت بعض المواطنين إلى تحويل ما لديهم من الدينار إلى الدولار، ما أدى إلى زيادة الطلب عليه”.

ويضيف أن “كميات كبيرة من الدولار موجودة لدى جهات داخل البلاد تمتلك ملايين الدولارات، ودخول هذه الأموال إلى السوق أو سحبها منه يسهم في تحريك سعر الصرف صعوداً وهبوطاً”.

ويحذر من أن استمرار الضغوط سينعكس على القدرة الشرائية للمواطنين والطلب على السلع، ولا سيما مع ارتفاع الرسوم والأعباء المالية، بما يزيد الضغوط على الأسواق والمستهلكين.

ويختتم الحلو حديثه بالتأكيد على أن “إصلاح القطاع المالي يحتاج إلى جهود كبيرة، والحكومات المتعاقبة خلال 25 سنة لم تنجح في معالجة عدد من هذه الملفات، ما أدى إلى تراكم المشكلات والفساد والخسائر المالية”.

وتضع خسارة نحو 17.2 بالمئة من الاحتياطيات خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، بالتزامن مع انخفاض استثمارات البنك المركزي وموجوده النقدي وغياب العراق عن قائمة كبار حائزي سندات الخزانة الأمريكية، إدارة الاحتياطي أمام مرحلة أكثر حساسية، خصوصاً إذا استمرت الضغوط النفطية والمالية، فيما تتحول قدرة الدولة على ضبط الإنفاق وتنمية الإيرادات وحماية موارد الدولار إلى عناصر أساسية في معادلة الاستقرار النقدي.

المصدر: العالم الجديد