بقلم/ بركات علي

في أغلب الدول التي تمر بأزمات اقتصادية، تحاول الحكومات تخفيف الأعباء عن المواطنين وتنشيط حركة الاقتصاد، سواء من خلال تخفيف الضرائب والرسوم، أو تقديم التسهيلات للقطاع الخاص، أو اتخاذ إجراءات تساعد على زيادة الإنتاج وتحريك التجارة، وهذا ما شهدناه في أزمة كورونا مثلاً، حين دعمت بعض الدول شعوبها بشكل مباشر او غير مباشر في بعض جوانب معيشتها و أرزاقها ..

أما في العراق، فإن ما يحدث هو العكس، فالمواطن من الواضح أنه هو الذي عليه ان يتحمل مسؤولية ما جرى من هدر مالي في الفترة السابقة و كذلك ما يجري من عوامل خارجية أضعفت واردات الدولة العراقية!
المشكلة أصبحت أكثر تعقيدًا، فضعف القدرة الشرائية للمواطن، وتأخر الرواتب في بعض الأحيان، وارتفاع أسعار السلع، كلها عوامل تؤثر في حركة السوق وتضعف النشاط التجاري.

وحتى عندما تُدفع الرواتب في مواعيدها، فإن ارتفاع الأسعار والتضخم يجعلان القوة الشرائية للراتب أقل مما كانت عليه، فيصبح جزء كبير من دخل الموظف والمتقاعد موجهًا لتغطية الاحتياجات الأساسية، بدل أن يتحول إلى إنفاق أوسع داخل السوق، وهذا كله بسبب زيادة الضرائب و الرسوم والكمارك والجبايات التي كانت من المفترض ان تكون في زمن الرخاء الاقتصادي للمواطن وليس في وقت شدته .

ومن هنا، فإن من المهم أن تعيد الحكومة النظر في مستوى الرسوم والضرائب الكمركية، خصوصًا على السلع الأساسية ، لأن ارتفاع كلفة الاستيراد قد ينعكس في النهاية على أسعار السلع التي يدفعها المواطن.
فكلما انخفضت كلفة السلع والخدمات، تحسنت القدرة الشرائية للمواطن، وأصبح بإمكان دخله أن يحرّك السوق بصورة أكبر.

وفي الوقت نفسه، تحتاج الحكومة إلى إعادة النظر في ملف العمالة الوافدة، بما يضمن تنظيمها وإعطاء الأولوية للعمالة الوطنية، خصوصًا في المهن التي يستطيع العراقيون العمل فيها.

فالراتب الذي يحصل عليه العامل العراقي لا يذهب إلى أسرته فقط، وإنما يعود جزء كبير منه إلى السوق المحلية من خلال شراء الغذاء والملابس والخدمات ودفع الإيجارات وغيرها، وبذلك يدور المال داخل الاقتصاد العراقي بصورة أكبر، عكس العامل الأجنبي الذي يرسل الأموال إلى أهله في الخارج، وهذا مايعني خروج مليارات الدولارات سنويا من العراق وهذا بدوره عامل سلبي على اقتصاد البلاد!

القضية الأهم هي أن السياسة الاقتصادية لا ينبغي أن تنظر إلى زيادة الإيرادات الحكومية فقط، وإنما إلى قدرة المواطن على الإنفاق أيضًا.

فقد تستطيع الحكومة زيادة إيراداتها من خلال رفع الضرائب والرسوم، لكن إذا أدت هذه الزيادات إلى ارتفاع الأسعار وإضعاف القدرة الشرائية، فقد تخسر الأسواق جزءًا من نشاطها، ويتراجع الاستهلاك، ويتضرر القطاع الخاص، ويصبح المواطن أكثر إرهاقًا.

إن الإجراءات الاقتصادية التي تفرض أعباءً إضافية قد تكون ضرورية في بعض الظروف، ولكن توقيتها وطريقة تطبيقها مهمان جدًا.
فلا يمكن أن نطلب من مواطن يعاني أصلًا من ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف قدرته الشرائية أن يتحمل أعباءً جديدة، ثم نطالبه في الوقت نفسه بأن يكون المحرك الرئيسي للاقتصاد، وهو في الوقت نفسه لا يعرف ان يسدد مبلغ ايجار بيته او اقساط مدارس وجامعات أولاده !!

إن إنعاش الاقتصاد لا يبدأ دائمًا من زيادة ما تأخذه الدولة من المواطن، بل قد يبدأ أحيانًا من زيادة ما يبقى في جيبه.