جريدة |..

رأى الباحث في الشأن الاستراتيجي أحمد الياسري أن السعودية تقف أمام خيارات معقدة في التعامل مع تصاعد قدرات جماعة الحوثيين في اليمن، مرجحاً أن تجمع الرياض بين الرد على الهجمات الحوثية والتحرك باتجاه التفاوض، بالتوازي مع مساعٍ لتأمين حدودها والمناطق المحاذية لليمن.

وقال الياسري في حوار لـ”جريدة“، إن تطورات الميدان اليمني، ولا سيما ما وصفه بانهيار جبهة الساحل الغربي، قد تدفع السعودية إلى إعادة ترتيب حساباتها، فضلاً عن احتمال نشوء خلافات مع الإمارات نتيجة التطورات الأخيرة وطبيعة إدارة الملف اليمني.

وأضاف أن الرياض قد تتجه، إلى جانب الإجراءات العسكرية والأمنية، إلى فتح قنوات تفاوض مع الجانب الإيراني بهدف إعادة تهيئة الهدنة التي استمرت لسنوات، معتبراً أن التعويل على الموقف الأميركي يمثل عاملاً مهماً في تحديد خيارات السعودية خلال المرحلة المقبلة.

وأشار إلى أن الموقف الأميركي من الحرب في اليمن لم يكن جديداً، موضحاً أن الإدارتين الجمهورية والديمقراطية، باستثناء بعض التحركات العسكرية، اتبعتا خلال السنوات الماضية سياسة تقوم على تقديم الدعم اللوجستي والتدريب والتجهيز للسعودية، من دون الانخراط العسكري المباشر في الحرب اليمنية.

وبيّن أن السعودية نفسها اتجهت خلال عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إلى تشكيل تحالفات أمنية وملاحية بديلة لتأمين الملاحة، بمشاركة دول مطلة على البحر الأحمر ودول أخرى، في ظل العلاقات المتوترة آنذاك بين الرياض وواشنطن.

ترامب وهرمز وباب المندب

واعتبر الياسري أن خصوصية الصراع الحالي حول مضيق هرمز وباب المندب تدفع الإدارة الأميركية إلى التركيز بصورة أكبر على مضيق هرمز، مشيراً إلى أن واشنطن قد ترى أن إيران تحاول نقل المواجهة من هرمز إلى البحر الأحمر وجنوبه.

وقال إن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى إلى تأمين مضيق هرمز عبر التفاوض مع إيران، معتبراً أن انخراط الولايات المتحدة بصورة مباشرة في مواجهة الحوثيين إلى جانب السعودية قد يقلل من هامش المناورة الأميركي في التفاوض مع طهران.

وحذر الياسري من أن التقليل من أهمية باب المندب يمثل خطأً في التقدير، موضحاً أن هرمز يرتبط بصورة أساسية بتدفقات الطاقة، بينما يمثل باب المندب ممراً بالغ الأهمية للتجارة العالمية، لكونه يربط طرق التجارة بين آسيا وأوروبا.

وأشار إلى أن إغلاق باب المندب أو تعطيل حركة الملاحة فيه ستكون له تداعيات واسعة على التجارة والصناعة العالمية، ولن تقتصر آثاره على أسواق الطاقة، بل قد تمتد إلى اقتصادات الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والشرق الأوسط.

وأضاف أن سيطرة الحوثيين على مناطق وموانئ مطلة على باب المندب، إلى جانب الجزر القريبة من الممر، تمثل مؤشراً استراتيجياً خطراً، حتى وإن لم تعلن الجماعة رسمياً إغلاق المضيق.

الحوثيون.. من صراع داخلي إلى لاعب إقليمي

وقال الياسري إن أحد الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها السعودية والولايات المتحدة، بحسب تقديره، تمثل في التعامل مع الحوثيين باعتبارهم ظاهرة مؤقتة يمكن أن تنتهي بانتهاء الظروف التي أنتجت الصراع الداخلي في اليمن.

وأوضح أن تطور القدرات العسكرية للحوثيين أظهر أن الجماعة انتقلت من كونها طرفاً داخلياً في صراع يمني إلى لاعب ذي أبعاد إقليمية ودولية، الأمر الذي يجعل التعامل معها وفق الحسابات القديمة أمراً غير كافٍ.

ولفت إلى أن أي تدخل سعودي عسكري مباشر في اليمن قد يدفع الحوثيين إلى إعادة توظيف خطابهم السياسي والعسكري باعتبارهم في مواجهة قوة خارجية، وهو ما قد يمنحهم مساحة أكبر لإعادة تنظيم الاصطفافات الداخلية واستثمار نقاط الخلاف بين القوى اليمنية.

السعودية تحت ضغط متعدد الاتجاهات

ويرى الياسري أن السعودية تواجه في المرحلة الحالية ضغوطاً متعددة الاتجاهات، سواء من الشرق بسبب التطورات المرتبطة بإيران، أو من الجنوب بفعل الحوثيين، أو نتيجة المخاطر التي تواجه طرق تصدير النفط والتجارة.

وأشار إلى أن الرهانات على بعض طرق التصدير البديلة لتخفيف الضغط عن مضيق هرمز لم تحقق النتائج المتوقعة، الأمر الذي يزيد حساسية الوضع بالنسبة إلى الرياض.

وأضاف أن السعودية قد تجد نفسها مضطرة إلى تعزيز حضورها العسكري والأمني على حدودها مع اليمن، بالتزامن مع محاولة بناء تحالفات جديدة، لكنه شكك في إمكانية أن تكون هذه التحالفات فاعلة بالدرجة الكافية إذا دخلت الرياض في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين.

كما أشار إلى أن الضغوط الأميركية والإسرائيلية على السعودية قد تشكل عاملاً إضافياً في حسابات الرياض، خصوصاً في ما يتعلق بالتطبيع مع إسرائيل واتفاقات إبراهيم، التي لم تنخرط السعودية فيها حتى الآن بالشكل الذي تريده واشنطن وتل أبيب.

الصين.. دور دبلوماسي محتمل

وفي المقابل، لم يستبعد الياسري أن تلعب الصين دوراً في خفض التصعيد بين السعودية وإيران، على غرار الدور الذي أدته في استعادة العلاقات بين البلدين، لكنه استبعد أن يكون هذا الدور عسكرياً.

وقال إن الدور الصيني المحتمل سيكون دبلوماسياً، بهدف احتواء التصعيد والدفع باتجاه التفاوض، خصوصاً أن بكين تمتلك مصلحة مباشرة في استقرار طرق التجارة والطاقة.

وختم الياسري بالتأكيد على أن التعامل مع هرمز وباب المندب باعتبارهما ملفين منفصلين يمثل، من وجهة نظره، خطأً استراتيجياً، لأن أمن الممرين مترابط.

وقال إن «المعركة واحدة، لكنها ذات رأسين: رأس اسمه هرمز ورأس اسمه باب المندب»، محذراً من أن فصل المسارين قد يؤدي إلى قراءة ناقصة لطبيعة المخاطر التي تواجه المنطقة والتجارة العالمية.