بقلم – سعد الشديدي

منذ عام 1979، قدّم النظام الإيراني نفسه بوصفه حاملًا لمشروع ديني وسياسي يتجاوز حدود الدولة القومية. ويمكن وصف هذا التصور بـ«الدولة ذات الرسالة العقائدية»؛ إذ يستمد النظام شرعيته، وفق خطابه الرسمي، من امتداد خط الإمامة ويضع نفسه في موقع المدافع عن «جبهة الحق» والممهّد لظهور المهدي.

ومع ترسيخ ولاية الفقيه أصبح هذا التصور جزءًا من هوية النظام السياسية وواضحاً في لغة الحرس الثوري، وفي الشعارات الدينية، وفي تصوير الصراعات الإقليمية باعتبارها حلقات في مواجهة كبرى بين الحق والباطل.

لهذا لا يُقدَّم بقاء النظام في سرديته الداخلية بوصفه مسألة سياسية فحسب. فهزيمته لا تعني، حسب تصورات قادة النظام ومؤيديه، سقوط حكومة فحسب، وإنما توجيه ضربة إلى مشروع تاريخي وديني مقدّس.

ومن هنا يكتسب التراجع معنى يتجاوز خسارة النفوذ أو السلطة. إذ يصبح تهديدًا للهوية التي تأسس عليها النظام وللمعنى الذي يمنحه لنفسه.

ولذلك يفسر النظام ومؤيدوه الضغوط الدولية والاحتجاجات الداخلية والصراعات الإقليمية بوصفها محاولات لكسر «جبهة المقاومة» لا بوصفها نتائج طبيعية لاختيارات وقرارات سياسية واقتصادية قابلة للنقد والمراجعة.

لكن السؤال: ما الذي بقي الآن من نظام طهران العقائدي؟
لا يمكن الإجابة عنه بالخطاب الأيديولوجي وحده. فما يضمن استمرار النظام فعليًا هو تداخل العقيدة مع شبكة النفوذ العسكري والأمني والسياسي والمالي.
فقد ظلّ الجهاز الأمني وفي مقدمته الحرس الثوري والاستخبارات والباسيج، قادرًا على ضبط الشارع ومنع تشكّل معارضة موحّدة. واحتفظت الدولة ببيروقراطية تستطيع رغم الفساد وتراجع الخدمات، إدارة الحد الأدنى من شؤون البلاد وتشغيل مؤسساتها ودفع الرواتب.

كذلك لا يزال النظام يمتلك شبكات نفوذ إقليمية تمنحه عمقًا استراتيجيًا وإن أصبحت أكثر كلفة وأقل قبولًا مما كانت عليه.

اقتصاديًا، بقيت للنظام قدرة على الصمود أكثر من قدرته على النموّ. فقد وفّرت شبكات الالتفاف على العقوبات، وتجارة النفط، والاقتصاد المرتبط بالحرس الثوري وسائل تمنع الانهيار الكامل، لكنها لم تستطع وقف تراجع العملة وفرص العمل ومستوى المعيشة.

أما الشرعية الشعبية فقد تقلّصت بصورة واضحة ولا سيما بين الشباب والطبقة الوسطى، بينما بقيت للنظام قاعدة مرتبطة به عقائديًا أو مصلحيًا ومؤسساتيًا.
ما بقي من «الدولة العقائدية»، إذن، لا يقوم على العقيدة وحدها، ولا على القوة وحدها، وإنما على اندماجهما في بنية واحدة: عقيدة تمنح الصراع السياسي معنى مقدسًا، وجهاز أمني يحمي هذه العقيدة، وبيروقراطية تدير استمرارها، ونفوذ إقليمي يوسّع مجالها.

وفي المقابل، تآكلت قدرة الدولة العقائدية على الإقناع وتحقيق الازدهار وتحقيق تطلعات الأجيال الجديدة.

وهكذا تحوّلت العقيدة الدينية من مصدر للشرعية الروحية إلى جزء من خطاب يبرّر بقاء النظام مهما ارتفعت الكلفة.

غير أن هذا البقاء يكشف أيضًا مفارقته الأساسية: فما يزال النظام قادرًا على منع سقوطه لكنه أصبح أقل قدرة على إثبات أن استمراره يحققّ الوعد الذي قام عليه.